@ 458 @ يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيًّا فلأن لا يحدّ بقذفه ميتًا أولى ، ولنا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في الملاعنة : ( ومن رمى ولدها فعليه الحدّ ) ، يعني : من رماه بأنه ولد زنى ، وإذا وجب بقذف ولد الملاعنة بذلك ، فبقذف غيره أولى ؛ ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحدّ على من نفى رجلاً عن أبيه إذا كان أبواه حرّين مسلمين ، ولو كانا ميتين ، والحدّ إنما وجب للولد ؛ لأن الحدّ لا يورث عندهم . فإمّا إن قذفت أُمه بعد موتها ، وهو مشرك أو عبد ، فلا حدّ عليه في ظاهر كلام الخرفي ، سواء كانت الأم حرّة مسلمة أو لم تكن . وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : إذا قال لكافر أو عبد : لست لأبيك ، وأبواه حرّان مسلمان فعليه الحدّ ، وإن قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد : لست لأبيك فعليه الحدّ ، وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور ، وقال أصحاب الرأي : يصحّ أن يحدّ المولى لعبده ، واحتجّوا بأن هذا قذف لأُمّه فيعتبر إحصانها دون إحصانه ؛ لأنها لو كانت حيّة كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميّتة ، ولأن معنى هذا : إن أُمّك زنت فأتت بك من الزنى ، فإذا كان من الزنى منسوبًا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها ، ولنا ما ذكرناه ؛ ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحدّ ، لأن الكافر لا يرث المسلم ، والعبد لا يرث الحرّ ، ولأنهم لا يوجبون الحدّ لقذف ميتة بحال ، فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه دون إحصانها ، واللَّه أعلم ، اه بطولة من ( المغني ) . .
وقد رأيت في كلامه أقوال أهل العلم في رمي المرأة الميتة ، إن كان لها أولاد ، ورمي المرأة الحيّة التي لها أولاد ، وبه نعلم أن الحدّ يورث عند المالكية والشافعيّة ، إلاّ أنّه عند المالكية لا يطلبه إلا الفروع والأصول ، ويحدّ بطلب كل منهم وإن كان يوجد منهم من هو أقرب من طالب الحدّ ، وأنه عند عدم الفروع والأصول يطالب به الأخوة والعصبة ، وكلّ ذلك يدلّ على أنهم ورثوا ذلك الحقّ في الجملة عن المقذوف الميّت ، وأن الشافعية يقولون : إنه ينقسم بانقسام الميراث ، كما نقله عنهم صاحب المغني في كلامه المذكور ، وأن الحنفية يقولون : إن الحدّ لا يورث ، وهو ظاهر المذهب الحنبلي ، وأن بعض أهل العلم قال : لا يحدّ من قذف ميتة بحال . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي ، واللَّه تعالى أعلم في هذه المسألة : أن قذف الأُمّ إن كان يستلزم نفي نسب ولدها فلها القيام حيّة ، ولولدها القيام إذا لم تطالب هي ؛ لأنه مقذوف بقذفها ، خلافًا لما في كلام صاحب ( المغني ) ، وكذلك إن كانت ميتة فله القيام ، ويحدّ له القاذف . وقول صاحب ( المغني ) : تعتبر حصانته هو دون حصانتها هي لم يظهر له معنى ؛ لأن نفي نسب إنسان لا تشترط فيه حصانة المنفي نسبه ،
