@ 459 @ لأنّا لو فرضنا أنها جاءت به من زنى ، فإنه هو لا ذنب له ، ولا يعتبر زانيًا ، كما ترى . .
والحاصل أن قذف الأم إن كان يستلزم قذف ولدها ، فالأظهر إقامة الحدّ على القاذف بطلب الأُم ، وبطلب الولد ، وإن كانت حيّة ؛ لأنه مقذوف وأحرى إن كانت ميتة ، وإن كانت الأُمّ لا ولد لها ، أو لها ولد لا يستلزم قذفها قذفه فهي مسألة : هل يحدّ من قذف ميتًا أو لا ؟ وقد رأيت خلاف العلماء فيها ، ولكلّ واحد من القولين وجه من النظر ؛ لأن الظاهر أن حرمة عرض الإنسان لا تسقط بالموت ، وهذا يقتضي حدّ من قذف ميتة ، ووجه الثاني : أن الميتة لا يصح منها الطلب ، فلا يحدّ بدون طلب ؛ ولأن من مات لا يتأذّى بكلام القاذف ، وإن كان كذبًا بل يفرح به ؛ لأنه يكون له فيه حسنات ، وإن كان حقًّا ما رماه به ، فلا حاجة له بحدّه بعد موته ، لأنه لم يقل إلا الحقّ وحده وهو صادق لا حاجة للميّت فيه ، اه . .
وأقربهما عندي أنه يعزر تعزيرًا رادعًا ولا يقام عليه الحدّ . .
واعلم أن الحيّ إذا قذفه آخر بالزنا ، وهو يعلم في نفسه أن القاذف صادق ، فقد قال بعض أهل العلم : إن له المطالبة بحدّه مع علمه بصدقه فيما رماه به ، وهو مذهب مالك ، ومن وافقه . .
والأظهر عندي أنه إن كان يعلم أنما قذفه به حقّ أنه لا تنبغي له المطالبة بحدّه ؛ لأنه يتسبّب في إيذائه بضرب الحدّ ، وهو يعلم أنه محقّ فيما قال ، والعلم عند اللَّه تعالى . .
وذكر غير واحد من أهل العلم أن من قذف أُمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أو قذفه هو صلى الله عليه وسلم أن ذلك ردّة ، وخروج من دين الإسلام ، وهو ظاهر لا يخفى ، وأن حكمه القتل ، ولكنهم اختلفوا إذا تاب هل تقبل توبته ؟ فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لا تقبل توبته ويقتل على كل حال . وقال بعض أهل العلم : تقبل توبته إن تاب ، وهذا الأخير أقرب لكثرة النصوص الدالّة على قبول توبة من تاب ، ولو من أعظم أنواع الكفر ، واللَّه تعالى أعلم . .
المسألة الخامسة والعشرون : في حكم من قذف ولده . .
وقد اختلف أهل العلم في ذلك ، ( قال في المغني ) : وإذا قذف ولده وإن نزل لم يجب الحدّ عليه ، سواء كان القاذف رجلاً أو امرأة وبهذا قال عطاء ، والحسن ، والشافعي ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي . وقال مالك ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو ثور ، وابن المنذر عليه الحدّ لعموم الآية ؛ ولأنه حدّ فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنى .
