- روى الترمذي مرفوعا : وقال حسن صحيح : [ [ من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة وهو على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها ] ] .
وروى أبو داود والبيهقي مرفوعا : [ [ من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه قال الراوي أحسبه قال : تواضعا كساه الله حلة الكرامة ] ] .
وروى أبو داود وابن حبان أن أصحاب رسول الله A ذكروا الدنيا يوما عند رسول الله A فقال : [ [ ألا تسمعون ؟ إن البذاذة من الإيمان ] ] . يعني التحفل . والبذاذة بالموحدة وذالين معجمتين هي التواضع في اللباس برثاثة الهيئة وترك الزينة والرضا بالدون من الثياب .
وروى البيهقي مرفوعا : [ [ إن الله D يحب المتبذل الذي لا يبالي بما لبس ] ] .
وروى الشيخان وغيرهما عن عائشة Bها أنها أخرجت لأبي بردة كساء ملبدا من الذي يسمونه الملبدة وإزارا غليظا مما يصنع باليمن وأقسمت بالله لقد قبض رسول الله A في هذين الثوبين والملبد المرقع وقيل غير ذلك .
وروى البيهقي عن ابن عمر قال توفى رسول الله A وإن نمرة من صوف تنسج له .
وروى ابن ماجه والحاكم أن النبي A أكل خشنا ولبس خشنا لبس الصوف واحتذى المخصوف قيل للحسن ما الخشن ؟ قال : غليظ الشعير ما كان A يسيغه إلا بجرعة من ماء .
وروى الترمذي والحاكم مرفوعا : [ [ أنه كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف وجبة صوف وكمة صوف وسراويل صوف وكانت نعلاه من جلد حمار ميت ] ] . والكمة بضم الكاف وتشديد الميم : القلنسوة الصغيرة .
وروى الحاكم موقوفا على عبدالله قال : [ [ كانت الأنبياء لا يستحيون أن يلبسوا الصوف ويحلبوا الغنم ويركبوا الحمير ] ] .
وروى ابن ماجه عن عبادة بن الصامت قال : خرج علينا رسول الله A ذات يوم وعليه جبة من صوف ضيقة الكمين فصلى بنا فيها ليس عليه شيء غيرها .
وروى البيهقي مرفوعا : [ [ براءة من الكبر لبس الصوف ومجالسة فقراء المؤمنين وركوب الحمار واعتقال العنز أو قال البعير ] ] .
وروى البيهقي مرسلا عن الحسن قال كان رسول الله A في مروط لنسائه وكانت أكسية من صوف مما يشتري بالستة والسبعة وكن نساؤه يأتزرن بها .
وروى مسلم وغيره أن رسول الله A خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود والمرط كساء يؤتزر به وقد يكون من صوف وقد يكون من خز والمرحل هو الذي فيه صور رحال الجمال .
وروى مسلم وغيره عن عائشة قالت : كان لرسول الله A وساد يتكئ عليه من أدم حشوه ليف . وفي رواية لمسلم وغيره أيضا إنما كان فراش رسول الله A الذي كان ينام عليه أدما حشوه ليف .
وروى أبو داود والبيهقي عن عقبة بن عبيد السلمي قال : استكسيت رسول الله A فكساني خيشتين فلقد رأيتني وأنا أكسي أصحابي والخيشة ثوب يتخذ من مشاقة الكتان تغزل غزلا غليظا وتنسج نسجا رقيقا وقوله : وأنا أكس أصحابي أي وأنا أعظمهم وأعلاهم كسوة : وروى أبو داود وابن ماجه والترمذي عن بريدة قال لو رأيتنا ونحن مع نبينا A وقد أصابتنا السماء حسبت أن ريحنا ريح الضأن . قال الحافظ : ومعنى الحديث أنه كان ثيابهم الصوف وكان إذا أصابهم المطر تجيء من ثيابهم ريح الصوف . وزاد في رواية للطبراني في آخره إنما لباسنا الصوف وطعامنا الأسودان التمر والماء .
وروى أبو يعلي والترمذي واللفظ لأبي يعلي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه قال : خرجت في غداة شاتية جائعا وقد أوبقني البرد فأخذت ثوبا من صوف قد كان عندي ثم أدخلته في عنقي وأخرمته على صدري أستدفئ به والله ما كان لي شيء أكمل منه ولو كان في بيت النبي A شيء لبلغني فذكر الحديث إلى أن قال : ثم جئت إلى رسول الله A فجلست إليه في المسجد وهو مع عصابة من أصحابه إذ طلع علينا مصعب بن عمير في برد له مرقعة بفروة وكان أنعم غلام بمكة وأرفعه عيشا فلما رآه النبي A ذكر ما كان فيه من النعيم ورأى حاله التي عليه فذرفت عيناه فبكى ثم قال رسول الله A : [ [ أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم وريح إليه بأخرى وغدا في حلة وراح في أخرى وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة قلنا بلى نحن يومئذ خير نتفرغ للعبادة قال بل أنتم اليوم خير ] ] . ولفظ رواية الترمذي عن علي قال : خرجت في يوم شات من بيت رسول الله A وقد أخذت إهابا مطويا فجوبت وسطه فأدخلته في عنقه وشددت وسطى فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع فذكر الحديث . ومعنى جوبت : خرقت في وسطه خرقا كالجيب وهو الطوق الذي يخرج الإنسان منه رأسه والإهاب الجلد وقيل ما لم يدبغ .
وروى البيهقي أن رسول الله A نظر إلى مصعب بن عمير مقبلا عليه إهاب كبش قد تنطق به فقال النبي A انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبوين يغذيانه بأطيب الطعام والشراب ولقد رأيته وعليه حلة شراها أو شريت له بمائتي درهم فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون .
وروى مالك عن أنس قال : لقد رأيت عمر Bه وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع ما بين كتفيه ثلاث رقاع لبد بعضها على بعض .
وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوعا : [ [ رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ] ] . منهم البراء بن مالك .
وروى الطبراني والبيهقي أن رسول الله A كان يستعير الثوب من أصحابه فليلبسه إذا خرج واستعار من شرحبيل درعا مرقعا صلى بالناس فيه .
وروى الطبراني بإسناد حسن والبيهقي عن عبدالله بن شداد قال : رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة وريطة كوفية ممشقة . والعدني : منسوب إلى عدن والريطة : بفتح الراء وسكون التحتية كل ملاءة يكون قطعة واحدة ونسجا واحدا ليس لها لفقان . وممشقة : أي مصبوغة بالمشتق [ بالمشق ؟ ؟ ] بكسر الميم وهي المغرة .
وروى البزار عن جابر قال : حضرت عرس علي وفاطمة فما رأينا عرسا كان أحسن منه حشونا الفراش يعني الليف وأتينا بتمر وزبيب فأكلنا وكان فرشها ليلة عرسها إهاب كبش .
وروى البخاري والترمذي وحسنه عن ابن سيرين قال : كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان فمخط في أحدهما ثم قال بخ بخ يمتخط أبو هريرة في الكتان الحديث .
وروى البخاري عن أبي هريرة قال : [ [ لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوها في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته ] ] .
وروى الطبراني عن ثوبان قال : قلت يا رسول الله ما يكفيني من الدنيا ؟ قال ما سد جوعتك ووارى عورتك وإن لك بيت يظلك فذاك وإن كان لك دابة فبخ .
وروى الطبراني ورجاله رجال الصحيح عن ابن عمر سأله رجل فقال : ما ألبس من الثياب ؟ فقال : [ [ ما لا يزدريك فيه السفهاء ولا يعيبك فيه الحكماء قال : ما هو ؟ قال ما بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهما ] ] .
وروى ابن أبي الدنيا مرفوعا : [ [ شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الذين يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام ] ] . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نترك الترفع في اللباس تواضعا واقتداء برسول الله A وأصحابه ولو كان معنا قناطير من الذهب فنجعل ذلك في مرضاة الله تعالى من الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحاويج وهذا العهد يخل به كثير من الفقراء فضلا عن العوام وربما خلف الواحد نحو سبعين زيقا ثمن كل زيق ثلاثة ذهبا أو أكثر وقد رأيت من خلف سبعمائة زيق من العلماء .
وكان سيدي علي الخواص C يقول : ينبغي التسليم لمن لبس الثياب الفاخرة من الأولياء . كسيدي عبدالقادر الجيلي وسيدي علي بن وفا وسيدي مدين وأضرابهم .
وقد كان سيدي عبدالقادر يلبس كل ذراع من الخام بدينار فاعترض عليه بعض الناس فقال : العبد إذا مات كفن مرة وأنا قدمت أكثر من مائة موتة في مخالفة نفسي فلي أن ألبس كل بدلة ثمن مائة كفن .
ثم السر في ترك اللباس الرفيع أن النفس تميل إليه بالخاصية وتفرح به وكل شيء فرح به العبد من الدنيا حجبه عن دخول حضرة الله D كما تحجب المعصية فيريد الإنسان أن يجد قلبه حال لبس الرفيع الفاخر مثل حاله في حال لبسه الخلق القليل الثمن فلا يقدر ومن شك فليجرب وكذلك جربنا السجود على الأرض الطاهرة بلا حائل يجد الإنسان انفساحا وانشراحا وصلة بالله D بخلاف الصلاة على بساط أو حصير ومدار كلام الشارع ونصحه لنا على عكوفنا في حضرة الله D ليعطي الخدمة للحق حقها ويتملى بشهوده تعالى لأنه A أشفق علينا من أنفسنا فضلا عن والدنيا فما منعنا من فعل شيء إلا هو يبعدنا عن حضرة الحق تعالى وقد أخبرنا أن كل من تكبر قصمه الله ثم لا يخفى عليك يا أخي أن التواضع حقيقة إنما هو في النفس لا في الثياب وربما يلبس الإنسان العباءة والخيش وعنده من الكبر ما ليس عند أهل اللبس الرفيع فليتفقد الإنسان نفسه عند لبس الخيش والخلق فربما يكون يرى نفسه بذلك على أصحاب اللباس الرفيع فيمقته الله وهو لا يشعر وما رقع السلف الصالح ثيابهم إلا لقلة الحلال في زمانهم بالنظر لمقامهم فإن التجار وغيرهم كل يوم في نقص من الورع فكان أحدهم إذا اشترى له ثوبا بدراهم حلال لا يجد مثلها بعد ذلك حتى يشتري قميصا كاملا فلما كانوا لا يعجبهم كل الحلال في زمانهم كانوا يرقعون كل شيء انخرق بشراميط الثياب التي اشتروها في الزمن الماضي التي هي أحل من دراهم زمانهم وقت الترقيع فعلم أن من جمع له شراميط من جوخ أو غيره والتدمها ثم خيطها مراعيا كل لون في صف كما يفعله بعض فقراء الأحمدية فهو مغرور وقد رأيت من اشترى قطعة جوخ ثم قطعها قطعا بقدر جديد نقرة وذلك من أكبر رعونات النفوس مع ما فيه من إتلاف المال لغير غرض شرعي فافهم بخلاف مرقعات السلف فإن في لبسها فوائد منها كونه أحل ومنها عدم التفات النفس إليه بخلاف الجديد يصير كل وقت يلتفت إليه ومنها خفة المؤونة وعدم الركون إلى الإقامة في هذه الدار .
وقد كان سيدي الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كومة بركة الرطل بمصر المحروسة إذا أعطوه جوخة نفيسة أو صوفا نفيسا يقطعه بسكين حتى يصير شرائح شرائح ثم يخيطه بخيط دارج بمسلة ويلبسه فقلت له في ذلك ؟ فقال ديني أعز علي من الدنيا بأسرها وإني إذا لبست ذلك وهو جديد لا تخريق فيه تصير النفس تلتفت إليه كل قليل وتسارقني في النظر إليه ولو في الصلاة بخلاف ما إذا شرمطته وإذا تعارض عندنا مفسدتان ارتكب الأخف منهما ولا شك أن إتلاف جميع مالي عندي دون ديني .
ففتش يا أخي نفسك فيما تأكل وفيما تلبس فمن فتش لا يجد شيئا في هذا الزمان يشتري به جوخة نفيسة ولا شاشا نفيسا أبدا وربما كان ذلك الشاش الرفيع أو الجوخة البندقي التي على العالم أو الصالح من هدايا بعض الولاة أو ثمنها من وظائف لا يسد فيها لا بنفسه ولا بنائبه . { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } .
وقد تقدم في هذه العهود أن من آداب الفقراء كلما لبسوا ثوبا جديدا أو عمامة أو رداء في هذا الزمان أن يقول بتوجه تام : اللهم إن كان في هذا الثوب أو الرداء أو العمامة درهم من حرام فاحمنا من لبسه أو سامحنا في لبسه ولا تؤاخذنا بذلك في الدنيا والآخرة . واجعلها تقيم عندنا بقدر ما فيها من الحل فإنك عالم بالسرائر ومن حين عملت أنا بهذا العهد ما تقطع لي ثوب وقد عد أخي إبراهيم السند بسطي الثياب التي كسوتها للناس في مدة صحبته لي فوجدها سبعمائة زيق ما بين جوخ وصوف ومضربات وجبب وقمصان ومنها ما كان يقيم عندي يوما ومنها ما يقيم سنة وأقل وأكثر بقدر ما فيها من الحل في نفس الأمر الذي يعلمه الله تعالى فالحمد لله رب العالمين