- روى أبو داود والترمذي مرفوعا : [ [ لا تنتفوا الشيب فإنه ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة ] ] . وفي رواية للطبراني فقال رجل فإن رجالا ينتفون الشيب فقال النبي A : [ [ من شاء فلينتف نوره ] ] . وروى ابن حبان في صحيحه مرفوعا : [ [ من شاب شيبة في الإسلام كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة ] ] . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نبقي الشيب في لحيتنا إذا شبنا ولو قبل وقته من حيث أنه نذير لنا يخبرنا بقرب الموت وانتقالنا من هذه الدار إلى البرزخ الأخير . ولا يخلو حالنا من أن ننتقل إما إلى خير أو شر وكلاهما يذكرنا به الشيب فنأخذ في الأهبة للانتقال والتزود وننتصل من ذنوبنا وتبعاتنا وقد ألغز في نظير ذلك في النعش الشاطبي في أبيات فقال : .
أتعرف شيئا في السماء نظيره ... إذا سار صاح الناس حيث يسير .
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكل أمير يعتريه أسير .
يحض على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير .
ولم يسترد عن رغبة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور .
وأنشد الإمام الشافعي محمد بن إدريس Bه لما طلع الشيب في رأسه لحيته : .
خبت نار نفسي باشتعال مفارقي ... وأظلم ليلي إذ أضاء شهابها .
أيا بومة قد عشعشت فوق هامتي ... على رغم نفسي حين طار غرابها .
رأيت خراب العمر مني فزرتني ... ومأواك من كل الديار خرابها .
أأنعم عيشا بعد ما حل عارضي ... طلائع شيب ليس يغني خضابها .
ولذة عمر المرء قبل مشيبه ... وقد فنيت نفس تولى شبابها .
إذا اصفر لون المرء وابيض شعره ... تنغص من أيامه مستطابها .
فدع عنك سوآت الأمور فإنها ... حرام على نفس التقي ارتكابها .
وأدي زكاة الجاه واعلم بأنها ... كمثل زكاة المال تم نصابها .
وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم ... فخير تجارات الكريم اكتسابها .
ولا تمشين في منكب الأرض فاخرا ... فعما قليل يحتويك ترابها .
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها .
فلم أرها إلا غرورا وباطلا ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها .
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها .
فإن تجتنبها عشت سلما من أهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها .
فطوبى لنفس أوطنت قعر دارها ... مغلقة الأبواب مرخى حجابها .
فلن تخرب الدنيا بموت شرورها ... ولكن موت الأكرمين خرابها .
انتهى كلام الشافعي Bه . ولما بلغ الأربعين سنة Bه أمسك العصا فقيل له : نراك تدمن إمساك العصا ولست بمحتاج إليها فقال لأذكر أني مسافر من هذه الدار وأنشد أيضا لما خرج من بغداد إلى مصر : .
ومتعب العيش مرتاح إلى بلد ... والموت يطلبه في ذلك البلد .
وماش والمنايا فوق هامته ... لو كان يعلم غيبا مات من كمد .
آماله فوق ظهر النجم شامخة ... والموت من بين رجليه على رصد .
من كان لم يعط علما في حياة غد ... فما تفكره في رزق بعد غد .
وأنشد أيضا لما خرج من بغداد أو من مكة إلى مصر : .
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها أرض المهامة والقفر .
فوالله ما أدري إلى الفوز والغنى ... أساق إليهما أم أساق إلى قبري .
ولما تمنى بعض الناس موته أنشد يقول : .
تمنى رجال أن أموت ... وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد .
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد .
وإنما ذكرت لك يا أخي هذه الأشعار لتعرف أن السلف الصالح كان الموت على بالهم لا يغفلون عنه ساعة ويحبون من يذكرهم بالموت سواء كان شيبا أو انحناء أو مرضا أو غير ذلك .
واعلم أنه قد يكون للإنسان زوجة شابة وهو شائب فتكره منه الشيب فلينظر صاحب هذه الحال بين مفسدة إبقائه ومفسدة نتفه ويفعل ما هو الأحق . وقد أخبرني سيدي عليا الخواص C أن عمره مائة وسنة وشيء فقلت له : إن شيبكم في اللحية قليل فقال لما ضربني الشيب وأنا ابن خمسين سنة تكدرت ابنة عمي فوقف الشيب عن الزيادة من ذلك اليوم . وكذلك وقع لي أنا مع وزوجتي أم عبدالرحمن نمت بحضرتها فشرعت تنتف الشعرات البيض فاستيقظت على جذبها الشعر فوقف الشيب من ذلك اليوم . وأخبرني شيخنا الشيخ دمرداش المحمدي المدفون خارج مصر في طريق بركة الحاج أنه كان له صاحب شعري اللحية وكان معه زوجتان إحداهما صغيرة والأخرى كبيرة فكانت الصغيرة تنتف الشعر الأبيض كلما نام عندها ليصير صغيرا وكانت الكبيرة تنتف الشعر الأسود ليصير مثلها فما مضى عليه أشهر حتى لم يبق في لحيته شعرة . فيحمل ما ورد في ترغيب الرجل في إبقاء الشيب على ما إذا لم يعارضنا أمر أخر يتولد منه شرور وأنكاد مع شدة محبة الرجل لزوجته .
وقد روى البيهقي أنه رفع إلى عمر بن الخطاب Bه امرأة قتلت زوجها فقال لها ما حملك على قتله ؟ فقالت إني امرأة صغيرة السن وقد زوجني أبي كرها علي فلما عجزت عن التخلص منه غلبتني نفسي فرضخت رأسه بحجر رحى فمات فأمر ظاهرا بقتلها ثم أسر إلى بعض أهلها أنها تختفي أو تهرب .
وتزوج شخص من إخواننا شابة وكانت لحيته بيضاء لأجل ماله وكان كثير المال ليس له ولد فكانت تكلفه بعمل اللحم على الصاج وبالشهوات فإذا أتى بها قالت لا حاجة بي إلى ذلك فيأتي ويقول لي : إني أنفق عليها كل يوم نحو عشرة أنصاف وما هو على قلبها ولا على خاطرها وما أعرف لي ذنبا فقلت له ذنبك بياض لحيتك فلم تزل له حتى طلقها فكاد عقله يذهب .
وقد وقع لشخص آخر من إخواننا أنه صبغ لحيته بالسواد لأجل واحدة كان يحبها ثم عقد عليها وأوهمها أنه شاب فلما دخل عليها قالت له لحيتك لحية شاب وحركتك في الجماع حركة شيخ فطلقها من كثرة النكد . وكذلك وقع لسيدي الشيخ نور الدين الشوني C تعالى أنه تزوج بعد تسعين سنة شابة ولم يكن تزوج قبلها أحدا وكان أبوها من كبار المعتقدين في الشيخ فكانت تؤذي الشيخ فيقول لي ما أعرف إيش تكرهني على إيش فأسكت وأستحي أن أقول له من كبر سنك وشكت إلى والدها من خشونة جبة الشيخ فنزعها وصار ينام معها في ثياب الكتان الخمسيني ومع ذلك فكانت تشكو منه وكلما عمل على غرضها في أمر طلبت منه أمر آخر حتى كدرت عليه عيشته فطلقها .
فاصبغ يا أخي الشيب الذي في لحيتك بغير السواد ولا تنتفه إلا لعذر شرعي والله يتولى هداك