- روى مسلم أن رسول الله A أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال : [ [ إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ] ] . وقال في رواية مسلم أيضا : [ [ إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ] ] . وفي رواية لمسلم مرفوعا : [ [ إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها ] ] . وفي رواية أخرى له مرفوعا : [ [ إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهن البركة ] ] . وروى الشيخان وأبو داود وابن ماجه مرفوعا : [ [ إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها ] ] . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نلعق أصابعنا قبل مسحها إحراز للبركة كما ورد فربما كانت البركة الموضوعة في الطعام في تلك البقايا التي على الأصابع ومن فاته بركة الطعام كان كالذي يأكل ولا يشبع وقد استعاذ من ذلك رسول الله A : وقد ورد إن الله تعالى أخفى ثلاثا في ثلاث : أخفى رضاه في طاعته وأخفى سخطه في معصيته وأخفى أولياءه في عباده . أي فربما كان رضا الله تعالى عنه معلقا على طاعة لا يؤبه لها لقلتها وسهولتها وربما كان سخطه تعالى في معصية صغيرة في رأي العبد لا يتنبه لها غالب الناس وربما كان ذلك الشخص الذي ازدريناه في عيننا من أولياء الله تعالى فيمقتنا الله تعالى فوجب على كل عاقل الإقبال على فعل كل مأمور والإدبار عن فعل كل منهي وتعظيم كل مسلم بطريقه الشرعي فإن الله تعالى إنما كلفنا بنهى المسلمين عن كل منكر ولم يبح لنا ازدراءهم ولا يخفي أن رضا الله المعلق على فعل شيء إذا حصل لا يقع بعده سخط على ذلك العبد أبدا كم أن سخطه إذا حصل لا يقع بعده رضا على ذلك العبد أبدا وإذا مقت من ازدرى وليا لا يفلح بعد ذلك أبدا .
فافعل يا أخي جميع المأمورات واعتن بالسنن كأنها واجبات واجتنب المناهي ولو مكروهات واجتنبها كما تجتنب المحرمات فمن استهان بالسنن كفر كما أن من استهان بالمكروهات كذلك وفي الحديث : المؤمن يرى ذنوبه كأنه تحت جبل يخاف أن تقع عليه والفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا .
ولا تقدر يا أخي على الوصول إلى العمل بهذا العهد إلا إن سلكت الطريق على يد شيخ صادق حتى يوصلك إلى حضرات تعظيم أوامر الله ونواهيه وإلى فمن لازمك التهاون بها .
وسمعت سيدي محمد بن عنان يقول : لا يبلغ الفقير مقام الأدب مع الله تعالى إلا إن تاب من ترك السنن كما يتوب من ترك الواجبات ويندم على فعل المكروهات كما يندم على فعل الكبائر هذا لفظه .
وسمعت سيدي عليا الخواص C يقول : لا يبلغ العبد إلى مقام الأدب مع الله تعالى حتى يفرق بين الأوامر والنواهي فيعتني بالتوبة من ترك الواجب أكثر من توبته من ترك السنن ويندم في فعله للكبائر أكثر من ندمه عند فعله الصغائر ويندم في فعله للصغائر أكثر من ندمه في فعل المكروهات ويندم في فعله المكروهات أكثر من ندمه في فعل خلاف الأولى لأننا تابعون لا مشرعون أي فإن الشارع فاوت بين المأمورات والمنهيات فمن الأدب أن نفاوت بينها في المرتبة ولا نجعلها كلها واحدا فيحمل كلام سيدي محمد بن عنان على أحوال المريدين وكلام سيدي علي على أحوال العارفين لأن المريد في مقام الزجر والتنفير والترغيب والعارف في مقام التحقيق لبعد مقامه عن الاستهانة بفعل مأمور أو ترك منهي بخلاف المريد ولذلك رأى الأشياخ للمريد أن رمى ما بيده من الدنيا في البحر أقوى في استعداده من التصدق به شرط أن يضمنوا له في نفوسهم رجوع ذلك المال إليه إذا خلص من ورطة محبته للدنيا كما وقع لسيدي مدين وغيره فأرادوا حسم مادة إمساك الدنيا وإخراج حبها من قلبه ويده ثم إذا كمل حاله أمر بإمساكها وإنفاقها في مصارفها الشرعية وحرموا عليه إتلافها أو رميها في مضيعة أدبا مع الله تعالى فافهم .
واللسان يقصر عن البيان لمن لم يسلك الطريق إذ من لازمه استشكال الأحكام بعضها بعضا ولو أنه سلك الطريق لم يجد حديثا ولا أثرا ولا قولا للأئمة يناقض آخر بل كل واحد محمول على مقام يليق به فإن الشارع يجل مقامه عن وجود التناقض في كلامه لأنه كان يخاطب كل جليس بما يناسبه كما يعرف ذلك من تصفح الشريعة . { والله غفور رحيم }
