وجاء ابن تيمية في القرن الثامن فحمل على أتباع المذاهب الإسلامية جميعاً بشأن التبرك بآثار النبي والأولياء والتوسل بهم، وبناء القُبب على قبورهم، وشدّ الرحال إليها، وما إلى ذلك. وقامت القيامة ضده من قبل علماء المذاهب شيعة وسنّة، وتبودلت الكتب والرسائل بينهم وبين ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم وأتباعهما، ولكن الخصام خف ولم يدم وكاد أن يزول، ولكنه اشتد من جديد بعد دعوة محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، ولا يزال البحث بين أتباع ابن عبد الوهاب الذين يدّعون متابعة السلف الصالح من هذه الأمّة، وبين غيرهم ـ وهم جلّ الأمة ـ يثور بين حين وآخر، تحدوه دوافع عقائدية أو سياسية ولا سيّما بعدما وقفت السلطة إلى جانب هذه الدعوة، واختلطت دواعي السياسة بفكرة التجديد الديني التي أصبحت بعد نشأة الدعوة دعامة وشعاراً لها عند أصحابها. وقد أرسلتُ أنا كتاباً قبل ثلاث سنوات إلى الشيخ بن باز مفتي المملكة العربية السعودية درست فيه هذه المسائل كما درست فتواه بشأن الصلح مع إسرائيل، ومما جاء فيه نصاً: «إنّ من يجوّز التبرُّك والتوسل هم جمهور العلماء في قبال جماعة أقل منهم بكثير لا يجوزونها» ولا ريب أن المجوِّزين اختاروا الجواز بعد الوقوف على الآراء وبعد البحث والفحص عن الأدلة، والاطلاع على ما أبداه الشيخان السلفيان، الشيخ ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعهما، فهؤلاء لم يقتنعوا طوال هذه القرون السبعة إلى يومنا هذا بحجج مخالفيهم، فهم مجتهدون، ولكل مجتهد مصيب أجران وللمخطىء أجر واحد ـ كما هو ثابت عند الفقهاء ـ فالمسألة بعد أن عادت خلافية اجتهادية، فهل تسمحون في مثل هذه المسألة التي جل العلماء على جوازها، وقليل منهم على حرمتها، نسبة الكفر أو الشرك، بل البدعة والفسق والضلال إلى هؤلاء الجم الغفير المعترف بفقههم وتقواهم؟ فما هو