ـ(111)ـ
فاختار(صلى الله عليه وآله) دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي - وهو سيد من سادات قريش الذين سابقوا إلى الإسلام - كيما تكون مقرّاً لهذه المهمة، وكانت الدار على مقربة من الصفا، فأصبحت بموقعها الاستراتيجي هذا، مركزاً للتدريب والتثقيف والتربية والتعليم.
دلالات هذه الدار التربوية والتثقيفية، يمكن أن تنسحب إلى أبعاد تنظيمية أُخرى، حيث اعتمدت هذه الدار ركيزتين أساسيتين في التربية والتعليم أو التزكية والتبليغ، هما: القرآن الكريم، والسلوك النبوي الشريف; فالقرآن الكريم مثّل مادة التثقيف والمعرفة أي النظرية، أما السلوك النبوي في هذه الدار، وهو يرتل القرآن ويُفسر آياته، ويقيم أود الجماعة، ويصحح سلوكها، ويثير في أعماقها مكامن التفكير والتأمل بآيات اللّه ومفردات الواقع المحيط، فقد بيّن الاتجاه العملي لتلك الممارسة التنظيمية وأطّر اتجاهاتها.
ويمكن اختزال أبعاد الدار الأرقمية وأُطرها بالملاحظات التالية:
أ - توحيد الفكر ومنهجيته
إن مهمة الدار بشكل أوّلي هي تنظيم الفكر، وتبيين مفدرات العقيدة، وإرساء دعائم التفكير السليم، وكشف لآلئ منهج الإسلام ودستوره القويم - القرآن الكريم - وذلك بالاعتماد على تفسير القرآن الكريم وعرض أحكامه الشرعية، وأساليب دعوته، وطرق محاججاته، وكيفية الهجوم على مواقع الخصم، وهي - كما يلاحظ - مهام وحدوية أساسية لكلّ دار أرقمية يزمع إنشاؤها والاقتداء بها.
ب - توحيد المشاعر وتكثيفها
وكانت الدار - على بساطتها وما يحيطها من أخطار - تعدّ مصنعاً عملياً لتوحيد المشاعر وإنتاج السلوك المنظّم والمتيقّظ - الفردي والجماعي - للمسلمين، وذلك عبر الاختلاط والتقارب بينهم وإقامة الفروض الدينية تحت إشراف الهادي المختار(صلى الله عليه وآله) كما كانت (الدار) فرصة مقصودة ومحسوبة النتائج، للاطلاع عن قرب على أحوال الجماعة، ومدى استعداداتهم من قبل صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله)، ومعرفة أفكار الجماعة ومفردات حياتها وأساليب حركتها، من قبل المنضمّين اليها، كما هي
