ـ(112)ـ
فرصة لبناء مناخات نفسية بينهم، تحكي روح الوحدة، وتفسح المجال للتبادل العلمي البنّاء، وممارسة الحوار المنفتح والقائم على الحجة والبرهان.

ج - توحيد الأهداف والحركة
وإضافة إلى المزيتين الأساسيتين للدار، وهما تنظيم المحتوى العقائدي والشعوري للجماعة، وتوحيد حركتها وأهدافها ضد النزوع السائد لتحوّلِ المجتمع الإنساني إلى مجتمع حيواني - وذلك عبر إبراز التأكيد على المثل العليا، وأولوية التفكير القيمي والأخلاقي، وعلى الكرامة واحترام الذات، والعلاقات الإنسانية، وبعبارة مختصرة تأكيد قيم وحقائق الدين الكبرى - فقد امتازت الدار بتأكيد استقطاب الشباب من ذوي العزم والإرادة، وأصحاب الثبات والإقدام، إذ هم العنصر الحيوي في كل أُمة، وذلك إدراكاً من المربي العظيم(صلى الله عليه وآله) لأهمية ودور هذا العنصر الفعّال، سواء في سرعته المتميزة في الاستجابة والاستقبال، أو سرعته في التنفيذ والإقدام، وكذلك تنظيم حركة هذا العنصر الفعّال باتجاه أهدافه.

3- ظروف المواجهة وتنظيم الحركة
المعلم الثالث الذي استطاع أن يستثمره الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) ويوجّه نتائجه لصالح الجماعة المسلمة الأُولى هو ظروف المواجهة الصعبة، وأساليب القمع الوحشية التي مورست ضد أتباعه، الذين لم تكن لديهم القوة والمنعة التي تدفع عنهم أذى القوم وتعصبهم; فإن الكثير من الاتباع أمثال عمار بن ياسر وأبيه وأُمّه، وبلال بن رباح الحبشي، وصهيب الرومي، وخبّاب بن الأرت، وبقيّة الأصحاب، لقوا عنتاً كثيراً من قريش، ولكن تصبير الرسول(صلى الله عليه وآله) لهم، ووعدهُ لهم بالأجر الجزيل وشراء بعضهم من سادتهم ومن ثم عتقهم، كان قد وثّق من أواصر التضامن والتآلف بين المسلمين، بل إن القمع المضاد لوحده قد فعل أثره المعاكس، فشدّ البناء الفتي بعضه إلى بعض بقوة وزاده إصراراً على مواصلة دربه.
أمّا محاولة العزل في شعب أبي طالب، والتي دامت ثلاث سنوات تقريباً، فهي وإن أثّرت على المسلمين اقتصادياً واجتماعياً، فقد رفعت كفّة ميزان المعنوية إلى مستوى أذهل قريش وأورثها النزاع فيما بينها، خاصة حينما انتهى الحصار بتحد