ـ(113)ـ
نبوي لمضمون صحيفتهم الآثمة التي أكلتها الدود، ولم تدع فيها اسماً للّه إلا اثبتته(1)، ولم يقف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) إزاء القمع الوحشي عند حدود الوعظ والإرشاد والتصبير; وإنما عمد إلى إيجاد صيغ وحلول عملية وإجرائية لنشر دين ربه وللحدّ من طغيان قريش وطيشها، فقد استخدم وسيلة الهجرة، حيث طلب من أتباعه الهجرة إلى الحبشة "لأنها أرض صدق وفيه ملك لايظلم عنده أحد، حتى يجعل اللّه لكم فرجاً ممّا أنتم فيه"(2)، كما زاول طريقة طلب الجوار(3)، لـه ولأصحابه، وقد رُويت في ذلك قصص مذهلة، منها على سبيل المثال قصة ردّ عثمان بن مظعون جوار الوليد بن المغيرة وتفضيله جوار اللّه على جوار أحد المشركين، حيث آلمه أن يرى نفسه يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، وأصحابه وأهل دينه يلقون البلاء والأذى في اللّه(4). ومن تلك الوسائل أيضاً هي: عرض دعوته(صلى الله عليه وآله) أثناء المواسم في الأسواق كسوق "مجنة" وسوق "عكاظ" وسوق "ذي المجاز"، وهي وسيلة ، وإن لم يجن من ورائها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) دخول أحد من القبائل إلى دين اللّه تعالى، فقد كانت وسيلة إعلامية كبرى ، حيث وصلت أخبار الدين الجديد إلى أقاصي البلاد عبر رجوع القبائل والقوافل التجارية إلى مواطنها. ومنها: سلاح التقية كما حدث مع عمار بن ياسر (رضي الله عنه) بقوله(صلى الله عليه وآله) لـه: "يا عمار! إن عادوا إلى مثل ما فعلوا بك فعد"، حيث أنزل اللّه تعالى قولـه الشريف: (... إلا من اُكره وقلبه مطئن بالايمان...)(5)، ومنها: أنه(صلى الله عليه وآله) عرض دعوته على أهل النصرة من القبائل العربية التي تفد على أم القرى في مواسم الحج والتجارة، وهي محاولات وإن لم تُسفر عن دخول أحد إلى دين اللّه، فإنها ساعدت في انتشار الدعوة في الآفاق من جهة، وفي ترسيخ عقيدة الإيمان
ـــــــــــــــــــــ
1- السيرة النبوية 1 : 377، ابن هشام، دار أحياء التراث العربي - بيروت.
2- السيرة النبوية 1 : 322، ابن هشام ، بيروت.
3- الجوار: أن يطلب الرجل الدخول في جوار أحد أقوياء وسادة قريش فيكون في حمايته وذمامه.
4- المصدر نفسه 1 : 370 .
5- النحل : 106 .