ـ(115)ـ
والاُخوّة بين المسلمين، أسس ركائزها السلوك النبوي الشريف، فسنعمد هنا أيضاً إلى ذكر ثلاثة معالم متميزة في هذه المرحلة، أكدت بناء الوحدات المهمة لبناء أي مجتمع هادف، وهي : وحدة الأفكار، ووحدة المشاعر، ووحدة النظام، وهي ذات المهام المكيّة، ولكن بطور موسّع وتحت رعاية منفتحة وبتفاعل إيجابي يصنع ظروف التهيئة ويدفع بها إلى أمام.

1- بناء المسجد النبوي الشريف
إن أول عمل بدأ به رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) بالمدينة هو بناء المسجد، ليكون الوسيلة المهمّة لتحقيق أغراض الوحدة والتآخي ، ومركزاً للقيادة والتخطيط للمستقبل.
ويمكن إجمال الأهداف التي حقّقها بناء المسجد بما يلي:
أ - إنه أصبح قاعدة مقدسة للتثقيف الفكري، أبعدت المجتمع المسلم المتشكّل توّاً عن الصراعات الفكرية التي تنشأ دائماً عن عدم وجود الوحدة الموضوعية للأفكار، وعن وجود الفاصلة الزمانية أو المكانية بين المبلّغ والمتلقّي.
ب - ومادامت وحدة الأفكار ووحدة المشاعر، ووحدة النظام (أي وحدة المنظمة القيمية والعلائقية بين الأفراد) هي الأسس الواقعية والحقيقية لكل مجتمع موحّد، بل هي هويته التي تميزه عن أي اجتماع آخر، فقد ساهم المسجد في بناء وترسيخ هذه الوحدات في نفوس المسلمين الأوائل الذين كانوا يتحدّرون عن عشائر متفرقة ومن مواقع اقتصادية مختلفة، ومن مواضع نفسية متباينة، وقد تحقق ذلك في المسجد بنفس الطريقة التي تم وضع أساسها في الدار الارقمية، ولكن بـإضافة عنصرين جوهريين، هما: الشمول والاتساع في الموضوعات، والحرية والمبادرة أو الاستقلال في الطرح والاستقبال.
ج - كما أصبح المسجد وسيلة لإشاعة الصداقة والمحبّة والمودّة بين المسلمين، فإنه حينما يلتقي المسلمون بعضهم ببعض عدّة مرات يوميّاً في جوّ من الشعور بالمساواة والعدل، وحينما تتساقط كل فوارق الجاه والمال وغيرها، ويبتعد شبح الأنانية والغرور عن اُفق هؤلاء الناس ، فإنه لابدّ وأن تترسّخ فيما بينهم أواصر المحبة والتآخي والتآلف، ويشعر كلُّ منهم بأنه في مجتمع يبادله الحب والحنان،