ـ(117)ـ
النبوي قد حطّمت قلاع الشّرك الديني الذي ألزم الناس بعبادة الآلهة المتعددة، فإن صلاة الجماعة والمؤاخاة الاسلامية العملية التي أجرى فصولها نبي الرحمة(صلى الله عليه وآله)بين فريقي المسلمين (الأنصار والمهاجرين) ، قد حطّمتا حواجز الشرك في المجتمع... وإذا كان الإسلام بكل ما يحمل من صفاء وسلام هو نعمة إلهية كبرى منَّ اللّه بها على الناس، فإن المؤاخاة لوحدها قد عدّها اللّه تعالى في كتابه العزيز بأنها نعمة مخصوصة تستحق الشكر والتذكير: (... واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً...)(1) ، ذلك أنها وحدة واُخوّة نوعية تجتاز حدود البلد والأرض والقبيلة والعنصر ، لتتمكن من السلوك وتسيطر على الأفكار وتستولي على المشاعر.
لقد أثمرت نتائج ذلك التآخي الفريد بسرعة هائلة; فها هو سعد بن الربيع يأتي أخاه في الإسلام عبد الرحمن بن عوف قائلاً: "أنت أخي يا عبد الرحمن، وأنا أكثر الناس في المدينة مالاً، فانظر في شطر مالي فخذه.. وتحتي امرأتان، فانظر أيّهما أعجب لك حتى اُطلّقها". فقال لـه عبد الرحمن: "بارك اللّه لك في أهلك ومالك يا أخي ، فإني لا اُريد منك إلا أن تساعدني في معرفة السوق هنا حتى أبيع وأشتري"(2).
وقد جاءت الأنصار رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قائلة:
"يا نبيّ اللّه! لقد بذلنا ما في وسعنا لنواسي إخواننا المهاجرين فيما آتانا اللّه من مال، ولم يبق لنا إلا النخيل، فاقسمه يا رسول اللّه بيننا وبينهم". فقال(صلى الله عليه وآله): "لا ، ويشركونكم في الثمرة".
أمّا المهاجرون، فقد سيطر عليهم نوع من الشعور بالألم حيال ما فعله إخوانهم الأنصار حتى دفعهم هذا الشعور إلى الشكاية أمام رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) حيث قالوا: "يا رسول اللّه، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم، أحسن مواساة في قليل ولا أكثر بذلاً من كثير; لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر كله".
ـــــــــــــــــــــ
1- آل عمران : 103 .
2- خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله) 2 : 36 ، سميح عاطف الزين، دار الكتاب اللبناني ، بيروت.
