ـ(125)ـ
ونحن لا يدخل إلى أذهاننا شكُّ في أنّ هؤلاء العلماء يفهمون جيّداً هذه السياسة المسلّطة على أعناق المسلمين وقلوبهم، ويعرفون جيّداً هؤلاء السياسيين الذين يعتنقونها وينزلون عند أمرها ويُخلصون في خدمتها. فكيف يصنعون بأقوالهم، إذا قالوا في المؤتمرات والندوات الاسلامية، إنّهم عازمون على حماية حوزة الإسلام مهما كانت التضحيات، وإنّهم جادّون في إعادة الحقوق المسلوبة إلى أهلها المسلمين المستضعفين، وإنهم لن يهدأوا ولن يتوقّفوا، حتى تعود كلمة الذين آمنوا هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وإنهم يضعون أنفسهم وأحوالهم وقدراتهم كلّها في يد كل مشروع من شأنه أن يضرب أعداء الإسلام ويذلّهم، ويرفع راية أهله ويُعزّ محبيه ونُصراءَه؟!
أقول: كيف سيصنعون بهذه الأقوال وباُخرى مثلها من الوعود، وهم تحت لواء ألدّ أعداء الإسلام، أعني تلك السياسة التي تقود أمور بلدانهم، وفي أحضان أشرس خصماء المسلمين الذين هم حكّامهم وولاة اُمورهم؟ حاشا للّه أن نقول: إنهم يختانون أنفسهم، وإنّهم يخادعون ويتظاهرون، أو إنهم ينوون أن يكتفوا بظاهر من القول! ولكننا نقول: إن ما يظهرون من أقوال طيّبة وما يخفون من نوايا طيّبة، ستظلُّ كلّها حبيسة هذه السياسة وهؤلاء السياسيين، ولن يسمحوا لشيء منها أن يخرج من حبسه، إلا إذا كان يتّفق مع أغراضهم ومصالحهم، أو إذا كان لا يولّد أدنى خطر على أحلامهم ومطامعهم! وهكذا تضيع الأقوال في الرياح، وتختنق النوايا في صدور أصحابها، فلا تعرف إلى الظهور سبيلا.
نعم، وجدنا من هؤلاء العلماء الإجلاء، من يقول، إنَّه لا يتدخّلُ في السياسة العليا لبلاده، ولا يريد أن يكون لـه دور في هذه المسألة، ورفاقه يعملون في نشر الإسلام وتوسعته على هواهم وبملء حرّيتهم، ولا يجدون من السلطة إلا الترحيب والتشجيع، وهذا عندهم هو الطريق الأقوم والرأي الأصوب. ووجدنا من هؤلاء العلماء من يحمد سياسة بلاده ويدعو لها ويغتبط كلّ الاغتباط في أن يعيش تحت رايتها، وأن يكون ممثّلاً لها في المؤتمرات والندوات، وأن الدين تُفسده السياسة ويصلحه البعد عنها، ويرى أن للسياسة أربابها وأنّ للإسلام أربابه، ولا ينبغي لأحد