ـ(126)ـ
من الفريقين أن يتدخل في شؤون الآخر، ولا أن يتعدّى حدوده إلى مملكة غيره وممتلكاته، ويعتقد بأنه ليس هناك من حاجة لإعلان الخصومة والحرب على السياسة والسياسيين في بلاده، من أجل خدمة الإسلام ورفع شأنه، وعنده أن ذلك هو الفتنة والتخريب أو السعي إلى الفتنة والتخريب.
ويتأوّل هذا الصنف الكريم من العلماء آيات من الذكر الحكيم لإثبات صواب رأيه، ويُدلي بطائفة من السنُّة النبويّة المطهّرة، تُحرّض كلُّها على السمع والطاعة للحاكم القائم، ويُصرّح بوضوح فيها بأنّ إطاعة السلطة الحاكمة مقرونة إلى طاعة اللّه ورسوله، وأنّ الخروج عليها هو خروج على اللّه ورسوله. وإذا أضفنا إلى هذه الآيات المتأوّلة والمتون النبوية هذا التاريخ الطويل، الذي كانت السلطة الحاكمة فيه تحظى دائماً بتأييد طبقة رجال الدين، أو قل بتسخيرها لبسط سيطرتها وهيبتها في الجموع والنفوس، عرفنا أنّ هذا الصنف من العلماء قد أوى إلى ملجأ أمين وحصن حصين، يلتف حولهم فيه جمهور كبير من المسلمين، يصبح من العسير معه إخراجهم منه، ويظلُّ أعسر منه مجابهتهم فيه أو هدمه عليهم.
فلابدّ لنا، ولمن أدركته اليقظة من العلماء في الأقطار الاسلامية وانكشف الحقّ أمامه، من محاورة هؤلاء المتأوّلين ومجادلتهم بالتي هي أحسنُ، إشفاقاً على المسلمين من اتّساع نار الفتنة بينهم وازدياد التصدّع في بنيانهم وصفوفهم، فكفى ماهم فيه من الفتن ومن التمزّق والتشرذم ومن يدري؟ فلعلّ اللّه يخلق في أنفسهم، أثناء الحوار والتذكير أو بعدهما ، استجابة لصوت الحق وانقياداً لأمر الحقيقة.
ونقول لهؤلاء ولمن يمشي خلفهم ويشدّ معهم: إنّ مفهوم السلطة في الإسلام يعني القدرة على حمل المسؤولية في تسيير الأمور ورعاية مصالح الناس، وينبغي أن تتصف بأنّها مخلصة في الرعاية وفيّة في حفظ الأمانة، عادلة في توزيع المصالح والحقوق، قادرة على توطيد الأمن والدفاع عن البلاد. ولا يرضى الإسلام أن يتّصف الحاكم المسلم بالتسلّط والاستبداد، ولا أن ينفرد بالسلطة ويستأثر بأسباب الحكم، بأيّ وجه ظهر وبأيّ لباس استتر، ولا يرضى بالفساد صغيره وكبيره، ولا يرضى بالتخبط والفوضى، ولا يرضى بالثراء الفاحش، ولا يرضى بكلّ ما يتصل بهذه
