ـ(127)ـ
الأوصاف من أسباب، قريبة كانت أو بعيدة. وهذا مالا يختلف عليه علماء المسلمين وعوامّهم.
وإذا وجد هذا الصنف من العلماء، أنّ السلطات التي يعيشون تحت رايتها هي محميّة بالنصوص الدينية المقدّسة، وأنهم أقوياء في الدفاع عنها، نقول لهم بكلّ لطف وطيب خاطر: هاتوا ما عندكم، فكلّما أتيتم بآية مؤوّلة أو متأوّلة، تحمي هذه السلطات وتمكّنها، نأتيكم بعشرين آية واضحة، لا محلّ للتأويل فيها، تُلغي هذه السلطات وتقتلعها، وكلّما جئتم بحديث نبويّ طاهر شريف، نأتيكم بخمسين حديث أو بمئة، وكلّها ترجم هذه السلطات وتقتلها. وكلّما أدليتم لنا بأثر أو قصّة أو واقعة، في مراحل الإسلام ومراحل الحياة كلّها قبل الإسلام أيضاً، ندلي لكم بمائة أثر وقصة وواقعة ، ليس فيها إلا رفض هذه السلطات وإبعادها.
فماذا تريدون بعد ذلك؟ إذا كنتم تريدون وجه اللّه، فهذه الساحات أمامكم، فتقدّموا واختاروا الطريق إليه، إنّه أقربُ إليكم من أنفسكم. وإن كنتم تريدون نعيم السلطان، فاذهبوا إليه، فمتعة عابرةٌ تعقبها غصّةٌ دائمة.
ونقول لهذا الصنف من العلماء: إنّ أمور الناس هي أمانة في أعناق العلماء، وليست في أعناق الجهلاء والشطّار والخبثاء، وهي ملك لهم، لا يجوز لهم التنازل عنها، ولا التهاون بها، وهي الخلافة الإلهية التي لا يستحق أحد على الأرض أن يتقلّدها إلا العلماء، وإذا هي وجدت في يد أحد من الناس سواهم، فلأنّهم أهملوها وعافوها، واستعاضوا عنها بالهيّن الرخيص . فلماذا يتهاون السادة العلماء بهذا الحقّ الذي اختصهم اللّه به، وبه فضّلهم على غيرهم من البشر، وجعلهم أئمة وقادة لهم؟! فإذا كانوا يخافون من السلطة وغضبها، فاللّه أحق أن يخافوه ويخافوا غضبه وعقابه، وإذا كانوا يخافون من الحرمان والتعذيب والنكال، فإن ما يلاقونه بينهم من حسد وتباغض، وماقد يلاقونه من أبنائهم وإخوانهم وأقربائهم من الأذى والسطو، ليس بأهون من الحرمان والتعذيب والنكال، ثم لا يحسبون أنفسهم أنّهم بمنأى عن المصائب والأمراض أو عن تربّص السلطة نفسها وأذاها.
وإذا استعان هذا الصنف من العلماء بحجّة أخرى، نسمعها من بعضهم ونقرؤها