ـ(129)ـ
شيئاً في جنب الشيطان وكيده، واللّه يقول فيه: (... إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا)(1)فكيف لا نفهم من هذا القول، أنّ اللّه يوقظ الإنسان من غفلته، ويلقي في قلبه الشجاعة والأمل لمقاومة الشيطان وجنوده؟ وكيف لا ندري أنه يزوّده بسلاح جديد، حين يكشف لـه عن عدوّه الشيطان؟ ومن لا يعلم أن الضعف في العدوّ هو سلاح لابدّ أن ينقلب عليه متى انكشف للطرف الآخر الذي يغالبه ويحاربه؟
ونحن لا نختلف، في أنّ البلاد وشعبها وأرضها هي أمانة في عنق الحاكم، وهي أيضا أمانة في أعناق العلماء وزناً بوزن وحبّة بحبّة كما يقولون، فإذا انحرف الحاكم وتطاول واستبد، فقد بقي الخير والأمل في العلماء ماداموا لم يطاوعوه ولم يقبلوا سيرته في الحكم وتدبيره الأحوال والأمور. أما إذا انضموا إليه وأيّدوه، فيما يقول ويفعل بفتوى تعتمد نصاً مزوّراً، أو بحجّة تقوم على نصّ متأول، دفعاً للفتنة أو ركوناً إلى السكوت والصبر، فإنّ ما سيعانيه الشعب من عواقب ذلك يأتي أشدّ من ألف فتنة وأمرّ من ألف صبر. وهل هذه العواقب إلا الضعف والفساد والفقر والتخلف والانحلال وأمثالها من المبيدات والمدمّرات، وقد سبق ذكرها؟!
ومن للشعب في عسره ويسره إلا علماؤه وقادة الفكر فيه؟ إنهم إذا انسدّت الدنيا في وجهه، وأظلمت عليه الحياة، يصيرون لـه النوافذ التي تحمل إليه النسائم وتأتيه بالضياء. وإذا خانه حُكّامه وخانوا بمواعيدهم وانقلبوا عليه، فإنّ العلماء وأرباب الفكر، ينقلبون آنذاك إلى وقود يدخل إلى النفوس فيوهجها ويخلق فيها الحركة والتوثّب، ويتحوّلون إلى أشعة كاشفة، تهدي إلى الطريق اللاحب القويم. وليس الوقود إلا التضحيات وليست الأشعّة إلا أقوال الحق وأفعال الحق . ولولا أمثال هؤلاء العلماء وقادة الفكر لتأخّر تطوّر البشرية أحقاباً طويلة، ولابتليت الشعوب بالعقم، والحياة بالقحط، وأصبح انقطاع العيش خيراً من استمراره.
وربّما اتّفق لهؤلاء العلماء الذين يتعايشون مع الحاكم الظالم، أن يجدوا ملجأً آخر حصيناً يهربون إليه، وهو حُجّتهم بأنّ عملهم ينحصر في الوعظ والإرشاد
ـــــــــــــــــــــ
1- النساء / 76 .