ـ(131)ـ
اُخرجت للناس...)(1) فأنا من الذين يرون أن معنى "الاُمة" في الآية هو الدين أو الشريعة أو الأئمة، وليس هو المسلمين عامّة كما ذهب إليه فريق من المفسّرين. فهذه الحال التي وجِدَ بها المسلمون منذ زمن طويل، والتي تتّصف بالتفسخ والفساد والتمزّق، لا تسمح لهم أن يأخذوا معنى الآية ولا أن يرتقوا إلى موضع قصدها.
ولكي لا نتّهم بأننا لم ننظر إلا بعين واحدة إلى واقع الإسلام والمسلمين، وأننا أسرفنا في التشاؤم واليأس، فسوف نأتي فيما بقي من الحديث على ذكر بعض الأمثلة في الفكر الإسلامي وعرض بعض المناظر لحياة الإسلام والمسلمين تقوم كلّها شاهداً ودليلا على أننا رأينا بعينين سليمتين وعقل سليم، وأنّ الصورة التي قدّمناها لواقع الإسلام والمسلمين، هي صورة صحيحة لواقع صحيح، والناس كلّهم من مسلمين يرونها معنا كما نراها، بل ويشهدون معنا كما نشهد، أنّ الإسلام هو في قفص عند المسلمين، وأنّه عاد غريباً بينهم كما بدأ بينهم غريباً.
ولن نرضى لهذه الأمثلة والمناظر أن تؤدّي دوراً وصفياً، أو بمعنىً آخر أن تأتي شاهداً ودليلاً على صحّة رؤيتنا وسلامتها فحسب، بل نريد لها أن تؤدّي دوراً تحليلياً، يصحّ أن نسمّيه النقد لأنماط التفكير عند المسلمين أو الكشف عن ضعف محاكمة النصوص في تاريخ الفكر الإسلامي. ونوسّع في الإيضاح أكثر فنقول: نحن نصدّق بأنّ الإيمان، هو نور يقذفه اللّه في القلب، وأنّ هذا الإيمان هو الحدس الذي لا يخلو منه مخلوق بشري، وإنْ تفاوتت الدرجات فيما بينهم بالقوة والضعف، ونصدّق أنّ إيمان المسلمين الأوائل، كان على درجة من قوّة التوهّج، يسمح لهم بأن يستعملوه في الكشف عن مناجم الصدق في النصوص وعن مناجم الكذب والزور فيها، أو أن يميّزوا بين الخبيث والطيب في النصوص الدينية المروية وفي فهمها ودرايتها، فهل أحجموا عن استعمال هذا النور الكاشف لتأدية هذا الدور، أم أنّهم استعملوه وأفلحوا في استعماله، ولكن لم يصلْ إلينا من ثمرات هذا الاستعمال إلا خيوط رفيعة؟
والحقّ أقول أنهم استعملوه وأكثروا من استعماله، ولم يكن في بمقدورهم إلا أن
ـــــــــــــــــــــ
1- آل عمران / 110 .
