ـ(132)ـ
يفعلوا كذلك، كالعين عند الإنسان ، ليس بمقدوره أن يمتنع عن الرؤية بها عندما يفتحها. أمّا لماذا لم يصل إلينا من ثمرات هذا الاستعمال وقطافه إلا ما بأيدينا من خيوط رفيعة؟ ولماذا توقّف هذا الاستعمالُ حتى كاد أن يضمر وينعدم؟ فلأنّ أسباباً مختلفة وجدت في كلّ مكان وجد فيه المسلمون، ونمت وأُوتيت حظّاً من القوة والانتشار أصبحت معه أقوى من إيمان المسلمين المؤمنين ومن ثمرات استعمالهم لـه في الكشف والتمييز . وهذه الأسباب القويّة المختلفة، هي كلّها ترجع إلى طبيعة واحدة، ألا وهي السياسة.
ومن لا يعرف السياسة وما تَلِدُه من عداوات وأحقاد وخصومات وحروب، وتأليف وتركيب، وطمس وإظهار؟! هذه السياسة التي بدأت خيوطها بالانفتال والانعقاد، منذ الكلمة الاُولى التي خرجت من فم الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ، تبشّر بالدين الجديد والرسالة الخالدة، ثم الهجرة وما جرى فيها، والغزوات وما أحدثته من خلخلة، إلى الاختلافات عند احتضار الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ، والاختلافات بعد رحلته إلى الرفيق الأعلى في سقيفة بني ساعدة، إلى الحروب في عهد الصدّيق، إلى استشهاد الفاروق عمر، إلى الفتن التي قامت في خلافة عثمان والتي انتهت باستشهاده، ثم الفتن الطخياء والحروب الطاحنة في عهد الإمام علي، وإذا وصلنا إلى الملك العضوض الذي أسّسه معاوية بن أبي سفيان، فلك أن تحدّث ثم تحدّث فلا تنقطع عن الحديث إلى يوم القيامة.
فهذه السلسلة الطويلة العريضة من الأحداث والحوادث والواقع والوقائع، خلقت سلسلة طويلة من السياسات، في كلّ سياسة منها دنيا لا تحدُّ من العجائب أقلّها وأضعفها أن الحقّ صار باطلا والباطل حقّاً، والصغير كبيراً، والكبير صغيرا، والعاقل مجنوناً والمجنون عاقلاً ، فكيف والحال هذه لا يضمر حسُّ النقد عند المفكّر الإسلامي؟ ثم كيف لا تُشرف على الاختناق عنده قوّة التمييز بين النصوص القوية والأخرى الضعيفة، وقدرة التحليل والتعليل للحوادث والأحداث، وقد انسدّت أمامه كلّ أبواب الحريّة، ولم يعد يتنفّس أو يرى النور، إلا من كوى صغيرة لا تكاد تبين؟
وفي ظلّ هذه السياسات، عاشت حياتنا الماضية وحضارتنا، بكلّ ما تقوم عليها
