ـ(133)ـ
الحياة والحضارة من أسباب وألوان، كالعلوم والفنون والتاريخ، ولا تزال حياتنا وحضارتنا في جزء كبير منهما تعيشان وتدرجان في ظلّ هذه السياسات أيضاً. فكيف سنتخلّص منها، وقد صبغت هويّتنا بأصباغها؟ بل قل تكوّنت هويّتنا خيطاً فخيطاً من غزلها. وكلّما قلنا إن محاولةً قامت هنا أو هناك لتعيدنا إلى أصلنا الذي انفصلنا عنه، أو تعيد الينا ما فقدناه بسبب هذه السياسات، يجبهنا واقعنا بخيبة الأمل، ويقذفنا الأمل بمرارة ذات طعم جديد، تُضاف إلى المرارات المتقدّمة.
وإنّا، وإن كنّا عقدنا الرجاء على الثورة الفكرية الاسلامية في إيران، ورأينا الأمل يكبر فيها يوماً بعد يوم، لا نزال نعتقد بأن المسألة تحتاج إلى معجزة أو ما يشبه المعجزة. وكيف لا نعتقد بذلك، وقد رأينا مالاقاه شقيقنا الشعب الإيراني حتى وصل إلى ما وصل إليه، ولا يزال في أوّل الطريق؟ هل تدرون أن كلّ بلد مسلم، إذا أراد أن يصنع صنيع الشعب في إيران، يحتاج إلى البذل والتضحيات والمعاناة ما احتاج إليه الشعب في إيران، وربّما كانت حاجته أكثر وأعقد.
وإذا كانت هذه الأمثلة التي سنقدّمها الآن ، تبدو سهلةً يسيرة بجنب آمالنا وطموحاتنا، وبجنب التحدّيات التي تحيط بها، فهي - ولا شكّ - المقدمات الأولى لهذه الآمال، والباب الذي ندخل منه لنلاقي طموحاتنا وننعم بها .
ولماذا لا نجعل من الحديث في سيرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) المثل الأول من أمثلتنا التي وعدتنا بها هذه السيرة التي تعيش في أذهان المسلمين أكثر ممّا تعيش في الأوراق وبين السطور، والتي لا يخفى أمرها على أصحاب الحسّ النقدي وأرباب البصائر النفاذة. أقول هذه السيرة تعاني من تناقضات شديدة، لا يوجد أشدّ منها إلا هذه الصعوبة التي تمنع إيجاد التلاؤم والتوافق فيما بينها. فعلى حين تقرأ لمؤرخ من مؤرّخي السيرة، يُحدّثك عن عَظمَة الرسول(صلى الله عليه وآله) وسبقه الأنبياء جميعهم بالعلوّ والقرب من اللّه، وعن عصمته والمعجزات التي ظهرت على يديه، وأنّه كان نوراً موجوداً قبل التكوين، وما إلى ذلك من الأخبار والأسرار التي تشدَهُ الفكر وتخلب اللبّ، تقرأ لمؤرّخ آخر سيرة اُخرى تختلف بمنهجها وتفسيرها وتحليلها. صحيح أنّك تقرأ فيها التعظيم والتبجيل، ولكن بدرجة أدنى مما عند سابقه وعلى حرارة
