ـ(134)ـ
أخفّ . فهو - مثلاً - يعترف بعصمة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، فيما يتّصل بالوحي والشريعة وشؤون الدين، ولكنه ينكر عصمته في شؤون الدنيا، ويرى أنّه يبقى خارج دائرة الوحي والنبوّة، بشراً آخر، يسلك كما يسلك البشر، فيخطئ أحياناً ويصيب أحياناً اُخرى . ويردّد لتأكيد مقولته من الآيات: (قُل إنّما أنا بشر مثلكم....)(1)، ومثيلاتها التي هي غير قليلة.
ويتأزّم التناقض في أخبار السيرة أحياناً، بين ما يرويه الوحي عنه وبين ما يرويه الرواة، ثم بين كل من هذين وبين الأحاديث المودعة في الصحاح والأسانيد; فأنت تقرأ قصّة الأعرابي الذي أخذ بثوب الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) من عنقه، وسأله حقّه بشيء من الغلظة والخشونة، فيعطيه حقّه ويأخذ من الأعرابي إعجابه واعترافه بسموّ أخلاقه، ممّا جعله بعد فترة من الوقت يستجيب للإسلام ويدخل تحت راية الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وقيادته. ثم تقرأ بجانبها قصّته مع عبد اللّه بن اُمّ مكتوم، التي كانت سبباً في نزول سورة "عبس"، فيستولي عليك شيء من العجب وتقع في الحيرة والذهول. كيف يصدّق العقل أن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)أشاح بوجهه عن هذا الأعمى الذي جاء يطلب الهداية ويلحّ في طلبها، وانصرف إلى ثُلّة من عُتاة قريش وجبّاريها، يُلاينهم ويشوّقهم إلى الدخول في الإسلام؟ ولو أنّ هذه القصّة رُويت عن شيخ من شيوخ القبائل أو زعيم من زعماء الأحزاب، لتردّد العقل قليلاً في قبولها، واستكبر أن تُروى إلا عن تاجر أو بائع أو مقاول، فما قولك في قبولها وهي تذكر عند جلّة المفسّرين أنّها من أسباب نزول السورة المذكورة، وأنها تفسّر الآيات الأولى منها؟! وبدون هذه القصّة، لا يستقيم في رأيهم أمر النزول ولا أمر التفسير.
إذن، كيف يستقيم لهم أن يوفّقوا بين وصف الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وسلوكه، فيما أوردوه من شرح على هذه الآيات، وبين وصفه وسلوكه، في شروح أخرى ذكروها على آيات أخرى، نذكر منها الآية: (... ولو كنت فظّاً غليظَ القلب لانفضّوا من حولك...)(2) والآية: (وإنّك لعلى خُلُق عظيم)(3) فلو رحنا نستقصي معنى الخلق
ـــــــــــــــــــــ
1- الكهف / 110 .
2- آل عمران / 159 .
3- القلم / 4 .
