ـ(137)ـ
الأخذ بالشدّة والتمحيص ، قبل الاطمئنان إليها والتسليم بها.
ما دمنا قد وصلنا إلى هنا، لماذا لا نوقظ الخواطر إلى ما يواجهنا في الأحاديث النبوية نفسها من شروخ وثغرات؟ ومنها أننا نرى أنفسنا أحياناً أمام طائفة من الأحاديث تختلف فيما بينها ولا تتفق، وأحياناً أمام طائفة اُخرى من الأحاديث تختلف والقرآن، ولا سبيل لها إلى الاتفاق معه. وهذا أمرٌ ليس بخاف على المفكرين والدارسين، فقد تفاوت اهتمامهم به بين من أجمل فيه وبين من فصّل بعض التفصيل، ومن حقّه علينا جميعاً، أن يأخذ منّا الاهتمام الأشدّ وأن تُسلّط عليه أشعة البحث والتفكير حتى لا تخفى منه خافية.
ومن الأمثلة التي نقدّمها على النوع الأوّل، أي الأحاديث التي تتناقض بعضها مع بعض، ما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص : "قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من النبي(صلى الله عليه وآله) ، وأريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء تسمعه، ورسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه، فأومأ بـإصبعه إلى فيه، فقال: أكتب ، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق". رواه أبو داود. فهذا الحديث يناقض عدداً من الأحاديث الاُخرى التي ينهى فيها الرسول الأعظم أن يكتب عنه أي شيء غير القرآن، ومنها حديث أبي سعيد الخدري: "لا تكتبوا عنّي سوى القرآن، فمن كتب عنّي شيئاً سوى القرآن فليمحه". أخرجه ابن أبي داود ومسلم. كما أن الحديث في جانب آخر منه، وهو قسم الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)بأنه لا يخرج من فيه إلا حق، يختلف مع أحاديث اُخرى تقول، بأنه يخرج من فيه غير الحق، لكن في أمور الدّنيا، كحديث تأبير النخيل، وهو ذائع الشهرة وكقول الخليفة عمر بن الخطاب، حينما طلب الرسول الأعظم قلماً ودواة في احتضاره، ليكتب للمسلمين كتاباً لن يضلّوا بعده: "إن النبي ليهجر". وقول عمر هذا وإن لم يكن حديثاً، لكنّ فريقاً من الباحثين يحتجّون به على أن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)لم يكن مأمون الخطأ في أمور الدّنيا.
ومن الأمثلة التي نقدّمها على النوع الثاني، أعني تلك الأحاديث التي تناقض القرآن المجيد ولا تتّفق معه، وهي كثيرة، نكتفي بأن نذكر منها الحديث الذي يقول:
