ـ(138)ـ
"ان اللّه يقبل توبة العبد مالم يغرغر" . رواه الترمذي وأحمد والحاكم. أي قبل أن يدخل في النزع ويصير في الغيبوبة واللّه يقول في محكم التنزيل: ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن...)(1) ونذكر منها الحديث الذي يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار..." رواه الثلاثة. واللّه يقول: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاُخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه...)(2) فالقتال مشروع لصاينة الحق وإعلاء كلمة الحق، ويستوى الأمر فيه مع المسلم ومع غير المسلم، إذا بلغت الخطورة حدّاً لا يمكن معه صيانة الحق إلا بقتال الطرف الآخر أو قتله، وهذا الذي ترمي إليه الآية وتدعو، من غير احتيال في التفسير ولا لعب في التأويل، وهي تنفي الحديث وتطرحه، لأنّه لا يعدو أن يكون لعبة لاعب لم يوفّق في لعبه.
ومهما قلنا وأكثرنا من القول والأمثلة في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل الكبرى التي يُعاني منها المسلمون ويكابدون، فإنَّ الحديث سيظلّ دون أهميّة خطورتها وبؤس آثارها التي تغلغلت في كلّ زاوية من زوايا تراثنا وفكرنا. ولا نعني بذلك أنّنا نقلّل من دور القول، وأننا ندعو إلى إهماله، بل نحن لا نستطيع أن نذهب إلى مثل هذا المعنى، ولكننا نريد أن يأخذ القول دوراً أبلغ في النفوس وأشدّ تأثيراً في حياة المجتمع الإسلامي وفكره، وأن يكون هو القائد والموجّه إلى الأفعال المبدعة والتطوّر الخلاق، فالقول مالم يقترن بالتأثير في النفوس، ويقرن إلى الأعمال التي تغيّر الواقع وتطوّره، سيتحوّل إلى معضلة اُخرى تُضاف إلى ما عندنا من معضلات.
وإذا كنت أؤمن بالحريّة في القول، والإغراء بها والحضّ عليها إلى حدّ الاسراف والمبالغة، فأنني لا أستطيع أن أؤمن بأي قول من الأقوال يخلو من مسؤولية، وأعني بالمسؤولية هنا قوّة الإقناع وسهولة التأثير لاستنهاض النفس البشرية، واستخراج ما فيها من الطاقات الفكرية والروحية، كما أعني بها البذل والتضحية دون خوف ولا حساب. وبغير ذلك فإنّ القول يتحوّل إلى عبث لا جدوى فيه والى هُراء، ويكفيه ذلك
ـــــــــــــــــــــ
1- النساء / 18 .
2- الحجرات / 9 .