ـ(139)ـ
عقوبة، ويكفي صاحبه امتهاناً فلنقل جميعاً ما نشاء في أيّة مسألة من مسائلنا الكبرى كما نشاء، ولنأخذ حرّيتنا في القول بأقصى ما تستطيع الحرية أن تأخذه من أبعاد، لكن لنعلم قبل كلّ شيء، أننا لن نجني إلا على أنفسنا، إذا لم يكن في قولنا ما يؤثر في النفس ويحرّكها، ويردّ إليها الوعي الضائع منها ويمدّها بطاقة قوية تسمح لها بأن تخرج من مكمنها الضيّق ومحبسها المظلم إلى الاُفق الواسع والمدى الرحيب. ولنعلم أيضا ، أنّ عدوّنا يتربّص بنا وبأقوالنا، فإن وجدها خالية من هذه المعاني، ولا مسؤولية فيها ولا قدرة لها ولا روح، فانّه يفرح بها، ويصنع منها سلاحاً يشهره علينا. وهكذا فإن من سيأتي بعدنا من الأحفاد والأجيال، سيكون لهم من الحرية في الحكم على أقوالنا أكثر ممّا كان لنا، وبأساليب تختلف عن أساليبنا. فلنرحم نحن أنفسنا، قبل أن ندعو غيرنا إلى أن يرحمنا، ولنعرف ماهي المسؤولية في القول؟ وكيف نحملها ونتحملها؟
وإنّا وإن كنّا نعلم ما للوعظ والإرشاد من دور في التوعية والإيقاظ، فنحن نحبّ أن نلتفت التفاتة طويلة موجعة إلى العلماء والمفكّرين في هذه الاُمة، ونحرّضهم على أن يأخذوا من موقعهم الذي هم فيه دورهم المسؤول بهذا المعنى الذي سقناه للمسؤولية; فنحن منذ عهد بعيد، عرفنا الوعظ والإرشاد، وجرّبناه، ووجدنا أنّه يعود بالقوة والفائدة والتأييد على الحكّام ورجال السلطة أكثر ممّا يعود على جماهير المسلمين، وذلك لأنّه في أكثره يخلو من المسؤولية، والعلماء والمفكّرون هم المسؤولون عن تعبئته بالمسؤولية، وهم المسؤولون، على وجه الدقّة عن كلّ حركة وسكون في حياة الجماهير الاسلامية، ولا ضرورة في إعادة الحديث عن هذه المسألة والتوسيع فيها مرّة اُخرى، إلا في خاطرة صغيرة لكن لها أهميتها الكبيرة.
وهذه الخاطرة، هي أن يعود العلماء والمفكرون إلى أنفسهم لينقّوها ويفرغوها من الخوف كلّ الخوف عند معالجة معضلات الإسلام والمسلمين، وليعودوا شجعاناً، فلا يكتفوا بلمس الجراح لمساً خفيفاً، إشفاقاً عليها من إثارة الآلام وتأزمها. ولماذا لا يكشفون عن وجوههم هذه الأقنعة المصنوعة من الملاينة والمجاملة، إذا لم أقل المراوغة؟ ولماذا يطلون كلامهم بطلاء من العسل تعقب حلاوته مرارة الخيبة؟
