ـ(140)ـ
إن كل هذه الأشكال من المواجهة والمحاورة لا تقودنا إلى حلول، ولا تؤدي بنا إلى مكان نأمن فيه على أنفسنا من الانحدار والسقوط.
فلنقل كل ما نريد أن نقوله بحرية ولكن بمسؤولية، ولنتحدث عن همومنا وآلامنا بشجاعة، ولكن كشجاعة الملاح والطبيب فمسائل الخلاف بين المسلمين; في التفسير، والفقه، والعقائد، والتاريخ، و أشكال الحكم، وأوجه التباين بين المذاهب صغيرها وكبيرها، وما يتصل بهذه الأوجه وتلك المسائل من قريب وبعيد، كلّ هذا يحتاج إلى شجاعة في البحث وإقدام في المواجهة وجرأة في التحليل وإيجاد العلل، لكي نتعاون على وضع حلول لمعضلاتنا المتأزّمة، ونزيح المعوّقات التي تعوق تقدّمنا، ونستريح من الضعف الذي يُغري بنا عدوّنا. وليس لكي نوقظ الفتن النائمة من جديد، ونؤرّث الأحقاد والضغائن، ونزداد ابتلاء على ابتلاء وتقهقراً على تقهقر.
ألا يعجب معي السادة العلماء والمفكرون، حين ننظر كلنا إلى بلدان القارة الاُوروبية، وهم ملل متفرقة وأحزاب متنوعة ولغات شتى وأديان متعدّدة وسياسات متباينة، كيف يدأبون الليل والنهار والصيف والشتاء على الاجتماع والمواجهة في القول والمجابهة في الرأي والاقتراح لكي يتفحّصوا أمراضهم ويمحّصوا معضلات حياتهم، ثم لكي يصنعوا لكلّ مرض دواءً ولكلّ معضلة حلاً. وهاهم قد قطعوا مسافات بعيدة على درب الوحدة والاتحاد، بل إنّهم حقّاً قد توحّدوا، فسياستهم واحدة، واقتصادهم واحد، وفي كلّ يوم لهم دعوة جديدة إلى تطوير هذه الوحدة وتوسيع بجديد آخر يضاف إليها ويزيد في قوّتها وتأييدها ; فما بال المسلمين - وأسباب الوحدة بينهم أكبر وأقوى ممّا هي بين بلدان أوروبا - لا يهتدون إلى وضع خطّة، تخفف من حدّة العداء بين طوائفهم ومذاهبهم، وتلطّف من شراسة القطيعة بين بلدانهم، إذا لم نقل خطّة تؤلّف بين دروب سياساتهم وتوحّد بين أشكال اقتصادهم؟
وإذا كنت أشعر بالفرحة تغمرني وأنا أرى حولي العقلاء من رجال الديانتين الاسلامية والمسيحية، وقد نهضوا وألفوا جسراً من التواصل بينهم، يسمح لهم بالتلاقي والتعاون، فهم على موعد مع مؤتمر موسّع، مرة أو مرتين في كلّ عام،