ـ(167)ـ
إليهم سيف الدولة ليقابل هذا الجيش بأربعة آلاف من رجاله، ولمّا كان منهمكاً بالقتال شن نقفور هجوماً على حلب، ليستولي عليها وقد أمكن له ذلك; لأنّ بعض اللصوص انتهزوا الفرصة واعتدوا على الناس، ونهبوا أموالهم، فهال الأمر على أهالي المدينة، فانصرفوا لحماية بيوتهم، وصيانة حرماتهم، فلمّا رأى الروم السور خالياً من الناس قصدوه وصعدوه وفتحوا الأبواب ودخلوا حلب. واستباحوا - كعادتهم المألوفة - الناس فيها، وأعملوا السبي والحريق لمدة ستة أيام، ولم يرفعوا السيف حتى تعبوا وسبوا من الصغار بضعة عشر ألف صبي وصبية، وأفسدوا تموين المدينة، وأحرقوا مسجدها، وخرّبوا قصر الحلبة، أجمل قصور حلب، ونهبوا كل ما كان فيه من سلاح وعتاد وحلي وحرير وديباج وأوان ذهبية (1).
لم يبق نقفور في حلب، بل تركها لأسباب مختلفة يذكرها المؤرخون. ولما رحل الروم عن حلب، عاد سيف الدولة إليها، وعمّر ما خرب منها(2).
أثارت أحداث حلب المؤلمة ضجة في العالم الإسلامي، فاجتمع المسلمون في بقاع شتّى في المساجد.
ففي الموصل أغلق أهلها الاسواق، واجتمعوا في المسجد الجامع ومضوا إلى ناصر الدولة، فضمن لهم الغزو(3). ووردت الكتب من بغداد أن الرعية أغلقت الابواب وذهبوا إلى باب الخلافة، ووبّخوا الخليفة المطيع لله بكائنة حلب(4)، وطلبوا منه أن يخرج إلى الغزو ويأخذ بثأر أهل حلب، فوكلهم إلى معزّ الدولة، فألحوا عليه وقالوا: "لا نقنع الا بخروجك أنت، وأن تكتب إلى سائر الآفاق، وتجمع الجيوش، وإلا فانعزل لنولّي غيرك"، فغاظه كلامهم. ثم وجه إلى دار معز الدولة فركب ومعه الأتراك،
ـــــــــــــــــــــ
1- تجارب الأمم 6/194 ; الكامل 8/540 .
2- زبدة الحلب 1/145 .
3- نخب تاريخية / 165 .
4- حادثة عظيمة تستحق الوقوف عندها طويلا. الجماهير تتجمع حول قصر الخليفة توبّخه لأنه لم يثأر لأهل حلب. إنها تكشف عن روح جهاديّة وغيرة إسلامية مدهشة (التحرير).
