ـ(175)ـ
نفوسهم لديه، والنفوس لا تسكن ولا تركن إلا إلى قلب رحيم كبير، كقلب محمد(صلى الله عليه وآله) الذي وسع الناس، كل الناس، وما ضاق بجهل جاهل ، أو ضعف ضعيف، بل كان يأمر بالرفق حتى بالحيوان ويقول: "إذا ذبحتم فاحسنوا الذبح، ليحدّ أحدكم شفرته، ليريح ذبيحته".
وقال(صلى الله عليه وآله): "لكل عبد أجر، إن اللّه غفر لمومس لأنها أنقذت كلباً من الموت عطشاً"(1).
ويقول د. نظمي لوقا في كتابه "محمد: الرسالة والرسول": إن آفة العقول البشرية هي التعصب الذميم، لانه العمى والصمم، أما الصدق والأنصاف، أما الاعتراف بالحقيقة وإنصافك لخصمك فيهشد لك بالفضل وحسن الرأي، وأي شريعة أدعى للأنصاف من رسالة محمد التي تقول: (... ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى...)(2).
وإذا نظرنا من هذه الكوة إلى رسالة محمد(صلى الله عليه وآله)، لمسنا فيها آيات الصدق والحق، ولم نجد أي شيء يدمغها بالزيف والبطلان. لقد آثر محمد(صلى الله عليه وآله) الفقر والعناء على السلطان والثراء، لأنه صاحب رسالة لا طالب مال أو جاه، وأصحاب الرسالات لا يرون الحياة إلا في مبادئهم والتضحية في سبيلها بالنفس والنفيس.
ومن هنا كتب لدعوة محمد الخلود والصمود، وآمن بها مئات الملايين(3).
ومن مكارم أخلاقه صبره على البلاء وتهذيب قلبه بالإيمان الذي لا يقابل السيئة بمثلها، وذلك منذ بدء دعوته للناس للإيمان باللّه الواحد الأحد، حيث كان ذلك رداً على أهل العصبية الجاهلية الذين ينفون عن البيت الهاشمي مكانته، والذين كان من دأبهم أن يحسدوا الناس على ما آتاهم اللّه، والذين ألفوا رجس الجاهلية. وقد حاول كل أولئك مجتمعين ومنفردين الوقوف في وجهها، وهي تنمو وتزيد، وتسعى قُدماً، ولا تتأخر.
ـــــــــــــــــــــ
1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية 2 / 118 .
2- المائدة / 8 .
3- الإسلام والعقل، محمد جواد مغنية 95 و 97 .
