ـ(177)ـ
وإيماناً، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعاً كساه اللّه حلّة الكرامة"(1).
وقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): "من كظم غيظاً وهو يقدر على أن ينفذه دعاه اللّه يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّر من أي الحور شاء"(2).
أما النماذج التطبيقية على تحمّله (صلى الله عليه وآله) وسعة صدره للخلق فيمكننا ملاحظة بعضها:
روي أن النبي(صلى الله عليه وآله) لما كسرت رباعيته وشجّ وجهه يوم اُحد شقّ ذلك على أصحابه شقاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهم؟
فقال: إني لم أبعث لعّاناً ولكني بُعثت داعياً ورحمة، اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون(3).
انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان وحسن الخلق وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر (صلى الله عليه وآله) على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم، فقال: "اغفر" أو "اهد"، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله: "لقومي"، ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال: "فإنهم لا يعلمون".
ولما قال له الرجل: اعدل! فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه، لم يزده في جوابه أن بيّن له ما جهله، ووعظ نفسه وذكّرها بما قال له، فقال، ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟ خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل، ونهى من أراد من أصحابه عن قتله.
ولما تصدّى له غورث بن الحارث ليفتك به ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله) منتبذ تحت شجرة وحده قائلاً والناس قائلون في غزاة فلم ينتبه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) إلا وهو قائم والسيف مصلت في يده، فقال: من يمنعك مني؟ فقال: اللّه، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي(صلى الله عليه وآله) وقال: من يمنعك مني؟ قال: كُن خير آخذ، فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس.
وعن أنس(رضي الله عنه) كنتُ مع النبي(صلى الله عليه وآله) وعليه برد غليظ الحاشية: فجبذه أعرابي جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال يا محمد، احمل لي
ـــــــــــــــــــــ
1- جامع الأخبار، للشعيري / 137 .
2- بحار الأنوار 68 / 425 .
3- الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، عياض بن موسى اليحصبي / 78 - 79 .