ـ(209)ـ
مرجعيات متعددة أنزلوها منزلة الوحي واعتمدوا ما صدر عنها من أحكام وتوجيهات ، ورضوا بها بديلاً عن حكم الله ورسوله، فتفرّقت بهم السبل وضلّوا عن سبيل الله، وصاروا طرائق قدداً وشيعاً وأحزاباً، كلّ حزب بما لديهم فرحون، وكلّ فريق بما عندهم مقتنعون ولو أنّهم أقاموا وجوههم للكتاب والسنة ووقفوا عند نصوصهما، فلم يتقدّموا عليها ولم يتخلفوا عنها لكانوا على هدى من ربهم، ولثبتوا على المحجّة البيضاء ولاستقاموا جميعاً على كلمة سواء.
وأما الأصل الخامس من مقوّمات الوحدة الاسلامية فيتجلى في تشريع القبلة الواحدة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، إذ يجب على كلّ مسلم حيثما كان من الأرض أن يستقبل المسجد الحرام كما أمره بذلك ربّ العباد فقال: (فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره...)(1).
ومن أجل ذلك قال النبي(صلى الله عليه وآله): "من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذاك المسلم الذي لـه ذمة اللّه وذمة رسوله فلا تحقروا اللّه في ذمته" رواه البخاري.
إن شعور المسلم بكونه يستقبل القبلة التي يستقبلها إخوته المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها يجعله ينجذب تلقائياً إلى أهل ملّته ويعد نفسه فرداً من أفراد الأُمة الإسلامية وعضواً من أعضاء جسدها، وإن كان لا يعرف منها أحداً ولا يعرفه منهم أحد.
وأما الأصل السادس من مقوّمات وحدة الأمة فإنّه تقرير المساواة بين أفراد الأُمة، واعتبارهم جميعاً بمنزلة واحدة من الحق والعدل والاحترام، فلا يعلو بعضهم على بعض بمال أو جاه أو منصب أونسب، ولا يفخر أحد منهم على أحد بقبيلة أو شعب أو عشيرة; فاختلاف الناس في أوطانهم وأعمالهم ومناصبهم لا يعد في الإسلام مدعاةً للتفاخر والتفاضل والتعالي، ولا يعتبر معياراً صادقاً للتمييز بين الناس وتقديم بعضهم على بعض، كما بيّن ذلك سبحانه وتعالى بقوله: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر واُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم...)(2)،
ـــــــــــــــــــــ
1- البقرة : 144 .
2- الحجرات : 13 .