ـ(25)ـ
مجرداً عن ذاك التعبير التركيبي (أهل الكتاب) وخالياً عن قرينة معينة ـ لا يراد به التوراة والإنجيل أو كتاب خاص آخر من كتب الأنبياء السالفة، بل يراد به مطلق ما نزل من السماء وحياً على نبي من أنبياء الله ـ عليهم السلام ـ، من غير اختصاص أو إشارة إلى كتاب خاص، وهذا أيضاً مما يشهد به التتبع والتأمل في تفاصيل الآيات.. بناء عليه فالكتاب في آية الجزية هو الأعم من التوراة والإنجيل، ولا شاهد على تقييده بهما، بل يشهد على كونه أعم منهما أنه يشمل كتاب المجوس بإجماع الأمة وبمعونة الروايات الحاكية عن ان للمجوس كتاباً، وهكذا يتضح أيضاً أنه لا شاهد على تقييده بالكتب المشرعة، أي التي جاءت بدين جديد، إذ الظاهر أن كتاب المجوس ليس من الكتب المشرعة، ونبيهم ليس من أولي العزم. فإطلاق الكتاب في الآية الشريفة يشمل غيره.
ولزيادة الإيضاح في ذلك نقول: إن الظاهر من معنى الكتاب في الكلام عن الأنبياء والأديان الإلهية، هو الحد الفاصل الفكري والاعتقادي والعملي بين الإيمان والكفر. فالكتاب هو الوحي الإلهي الذي يخرج الأفراد والجماعات عن ربقة الأديان البشرية والمجعولة كعبادة الأصنام والآلهة المزعومة، ويسوقهم إلى دين الله تعالى وعبادته، فهو الصحيفة الإلهية المشتملة على معرفة الله تعالى ومعرفة الحقائق التي تتصدى لتشريحها وتحقيقها الرسالات السماوية، والتي تقابل الإلحاد والشرك والوثنية، وهذا معنى عام يشمل أنواع الكتب السماوية، قال الله تعالى: [ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب](1).
وقال تعالى أيضاً: [وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم](2).
فجعل أهل الكتاب والعلماء به في مقابلة الأميين، ويريد بهم عبدة الأصنام.
وقال تعالى: [ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين](3).
فجعل الكتاب في مقابلة الشرك.
_____________________
1 ـ البقرة: 78.
2 ـ آل عمران: 20.
3 ـ البقرة: 105.