ـ(42)ـ
وثالثاً: ان الأديان الثلاثة مستقلة بعضها عن بعض، على ما هو الظاهر المتبادر من تعدادها مردفاً ومقترناً بعضها مع بعض. وما ربما احتمل في بعض الكلمات من أن ذكر الصابئين من باب ذكر الخاص بعد العام، يبعده بل ينفيه ذكرهم بعد اليهود في آية وبعد النصارى في الآية الأخرى. ومما ذكرنا يعرف وجه المناقشة فيما ذكره بعض أعاظم أساتذتنا قدس سره في تفسيره، فإنه بعد نقل كلام طويل عن البيروني في تاريخ الصابئة وبعض ما ينسب إليهم من العقائد، قال: وما نسبه إلى بعض من تفسير الصابئة بالمذهب الممتزج من المجوسية واليهودية مع أشياء من الحرّانيّة، هو الأوفق بما في الآية، فإن ظاهر السياق أن التعداد لأهل الملة' انتهى.. فظهور الآية بأن الصابئين أهل ملة ـ وهذا ما اعترف به رحمه الله ـ يعارض ما توهمه من أن مذهبهم مزيج من المذاهب الثلاثة، إذ ظاهر الآية كونهم أهل ملة غير الملل الأخرى المذكورة فيها، لا أنها ملتقط بشري من سائر الأديان. مضافا إلى أن ما نسبه البيروني إليهم لا يعترف به المنتمون إلى هذا المذهب ظاهراً.
ثم إن ما ذكرناه من إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن دينهم صحيح ونازل من الله تعالى، عبارة أخرى عن كونهم من "أهل الكتاب" بناء على أن هذا العنوا أعم من أن يكون الكتاب نازلاً على نبي هذه الجماعة ابتداء وبخصوصه، وأن يكون نازلاً على نبي آخر، يتبعه ويروج دينه النبي الذي ينتمون إليه.
وأما بناء على أن عنوان أهل الكتاب خاص بأمة نبي نزل عليه كتاب بالخصوص، ولا يشتمل أمة من كان بدوره تابعاً لنبي آخر، فالآيتان بما ذكر من مفادهما ليس فيهما دلالة واضحة على كون الصابئة من أهل الكتاب، وإنما تدلان على كونهم ذوي شريعة إلهية ولو مع عدم صدق عنوان أهل الكتاب عليهم. ولعل من استفاد من الآيتين أن الصابئين من أهل الكتاب ـ كبعض أعلام هذا العصر رحمه الله في جهاد منهاجه ـ لمي فهم من عنوان أهل الكتاب إلا الأعم، وهو الأظهر.
وأما الآية الثالثة فهي قولـه تعالى في سورة الحج: [إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على