ـ(43)ـ
كل شيءٍ شهيد](1). والظاهر من التصنيف الثلاثي فيها، أن كل صنف مما يلي موصولاً على حدة، ذو طبيعة وحكم متفاوت للصنفين الآخرين،
فالصنف الأول: هم المؤمنون، والمراد بهم من آمن بهذا الدين الحنيف ن في قبال من رفضه جهلاً أو عناداً أو لم يطلع عليه أصلاً.
الصنف الثاني: أهل الأديان النازلة من السماء. وإن شئت قلت: أهل الكتاب وهم اليهود والصابئون والنصارى والمجوس. والاقتصار على الأديان الأربعة لعله من جهة وجود هذه الأربعة في رقعة البلاد القريبة إلى مهبط الوحي ومولد الإسلام في أول ظهور الدعوة الإسلامية.
والصنف الثالث هم المشركون، والمراد بهم في التعبيرات القرآنية غالباً عبدة الأصنام والأوثان، وإن كانت عقيدة الشرك غير منحصرة في هؤلاء. فأكثر الأديان الإلهية صارت بعد عهودها الأولى مشوبة بالشرك تدريجياً. وأما في هذه الآية الشريفة، فمقتضى المقابلة بين الذين أشركوا وغيرهم من الأصناف، كون التعبير صريحاً أو ظاهراً كمال الظهور في عبدة الأصنام والأوثان.
والحاصل أن هذه الآية لها ظهور تام في أن الصابئين في عداد اليهود والنصارى والمجوس من جهة كونهم أهل دين وكتاب سماوي، وأن كلا من الفرق الأربعة مستقل في نفسه، بمعنى عدم كونه جزء من فرقة أخرى.
والمتحصل مما ذكرنا أن الاستدلال بالآيات الثلاث على أن الصابئة في عداد أهل الكتاب، مما لا بأس به بل لا غبار عليه.
الوجه الثاني مما يمكن الاستدلال به لذلك، المضامين المنقولة عن كتبهم التي يعتبرونها سماوية وينسبونها إلى أنبياء الله المعروفين لدينا، كما نقل عن ما يسمى "كنزا ربا" ومعناه ـ على ما يقال ـ الكنز الكبير. فإنها مشتملة على عقائد لا تعهد إلا من الأديان الحقيقية الإلهية، كعقيدة التوحيد والمعاد وتسمية الحق المتعال بالأسماء الحسنى والصفات العليا ونسبة كل شيء إليه والى إرادته وما إلى ذلك. وهم يدعون أن الكتاب المشتمل على ذلك، هو كتاب يحيى ـ على نبينا وعليه السلام
_____________
1 ـ الحج: 17.
