ـ(44)ـ
الذي يعتبرونه آخر أنبياء الله تعالى، أو كتاب شيث وصحف آدم، أو كتاب إدريس ـ على نبينا وعليهم السلام ـ بحسب اختلاف ما ينقل عنهم. فبناء على ما رجحناه سابقاً من تصديق أصحاب الملل والنحل في ما يبدونه من عقائدهم، وكون ذلك حجة على غيرهم بحسب البناء العقلائي غير المردوع عنه شرعاً، لا يبقى مجال لإنكار صحة هذا الدين في أصله وأنه منسوب إلى أحد أنبياء الله ـ عليهم السلام ـ.
ثم إنه لما كان أصل نزول كتاب على يحيى وآدم عليهما السلام مسلماً نطق به القرآن الكريم ـ كما سنذكره ـ فنسبة كتاب الصابئين إلى أحدهما إما أن تكون صادقة أو خاطئة، فعلى الأول يكون هؤلاء أهل كتاب بلاريب، وعلى الثاني يكون ممن بيدهم شبهة كتاب كالمجوس ـ على ما بيناه في معنى هذا العنوان. فكونهم ممن يقر على دينهم كاليهود والنصارى والمجوس أمر لا محيص من الالتزام به.
وأما نزول الكتاب على يحيى ـ عليه السلام ـ فهو وإن كان الظاهر من قولـه تعالى: [يا يحيى خذ الكتاب بقوة..] (1) لكن لو نوقش في دلالته بأن المراد بالكتاب فيه هو التوراة بدلالة لام العهد، فلا يدل على كون يحيى صاحب كتاب آخر حتى يحتمل كونه هو الذي بيد الصابئة، وليس هذا الذي يّدعونه كتاب يحيى هو التوراة حتى يحكم بكونهم من أهل التوراة، فلا شيء هناك يصحح لهم عنوان "أهل الكتاب"، أو أهل شبهة كتاب، لقلنا في الجواب.
أولاً: يكفي في إثبات الكتاب ليحيى ـ عليه السلام ـ آيات سورة الأنعام، فبعد ذكر عدد من الأنبياء منهم: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس و إسماعيل واليسع ويونس ولوط وغيرهم، وذكر اجتبائهم وهدايتهم من عند الله تعالى، يقول سبحانه: [أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة] (2)، والظاهر من الآية بلا ريب أن كلا من هؤلاء المذكورين أوتي كتاباً مستقلاً غير ما أوتي الآخرون بقرينة الحكم والنبوة، وبعيد غاية البعد أن يحمل الكتاب في الآية على كتاب خاص أو كتابين وهما التوراة والإنجيل، كما ان من البعيد جداً أن يكون المراد بإيتاء الكتاب لنبي من الأنبياء إلزامه بالعمل بكتاب نزل على نبي آخر قبله، والشاهد على
____________________
1 ـ مريم: 12.
2 ـ الأنعام: 86 ـ 89.
