ـ(45)ـ
ذلك أنه لا يقال إن عيسى ـ عليه السلام ـ أوتي التوراة مع أنه كان مصدقا للتوراة وعلمه الله إياه وأمره بالعمل بما فيه، ولكنه أوتي الإنجيل. قال الله تعالى: [وقفّينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور](1).
ثم بعد ما ثبت دلالة آية سورة الأنعام على أن يحيى ـ عليه السلام ـ أوتي كتاباً مستقلاً عن التوراة، فاللام في آية سورة مريم أعني قولـه تعالى: [يا يحيى خذا الكتاب بقوة] يمكن أن يكون للعهد إلى هذا الكتاب، بل هو أقرب احتمالاً من كونه إشارة إلى التوراة كما يظهر وجهه من بعض ما ذكرناه آنفاً، بل يمكن أن يقال إن من البعيد عن الحكمة والبلاغة أن يؤمر نبي من الأنبياء ـ وقد أوتي الكتاب من الله تعالى ـ بأن يأخذ كتاب نبي آخر سبق عليه مئات من السنين، وأن يأخذه بقوة، خصوصاً أن ذاك الكتاب مع ما جاء به من الشريعة، سوف ينسخ عما قريب بكتاب نبي آخر من أنبياء أولي العزم وهو عيسى ـ عليه السلام ـ.
وثانياً، لم يدل دليل قطعي على أن التوراة الموجود هو جميع التوراة المنزل على موسى ـ عليه السلام ـ، فليكن هذا الذي بيد الصابئة جزءاً من التوراة الواقعي التام، كما أن الذي بيد اليهود جزء آخر منه، وعليه فليكن هؤلاء أهل كتاب هو التوراة، لكن من طريق يحيى ـ عليه السلام ـ، بل لو أدعي أنه الجزء الاصح منه بالقياس إلى الذي كان بيد اليهود المعاصرين ليحيى المحرفين المنحرفين، لم يكن بعيداً عن الاعتبار كثيراً.
ثم إن ما ذكرنا من احتمال انتساب كتاب الصابئين إلى يحيى، يتأتى تماماً بالنسبة لاحتمال انتسابه إلى آدم ـ عليه السلام ـ وعلى فرض التحريف والغلط يكون من مصاديق عنوان شبهة الكتاب كما سبق.
فنتجة البحث في النقطة الأولى أن الأقوى والأظهر بحسب الأدلة أن الصابئين معدّون من أهل الكتاب.
النقطة الثانية:
هل الصابئة يعدون من شعب بعض الأديان الثلاثة: اليهود والنصارى والمجوس ؟ أو
________________________
1 ـ المائدة: 46.