ـ(59)ـ
غرض مزدوج وهو تصديق "الحقيقة" التي ذكرها القرآن الكريم في مقارنته بين الذين آمنوا والذين يفترون على الله الكذب، والسنة التاريخية في انتصار الحق على الباطل وكذلك تصديق البشارة التي وعد الله بها أهل الحق، والإنذار بالعذاب الذي أشرنا إليه في الملاحظة الأولى.
فهي ذات غرض مزدوج رسالي وتاريخي. كما أن السياق العام هو الذي فرض مجيء قصة موسى بشيء من التفصيل دون قصة نوح أو الرسل الآخرين، لأن قصة موسى تمثل بتفاصيلها مصداق الانقسام بين جماعتين: إحداهما مؤمنة به والأخرى كافرة بدعوته، حيث يقع الصراع بينهما وينتهي بالغلبة للمؤمنين على الكافرين. بخلاف قصص الأنبياء الآخرين السابقين عليه مثل هود وصالح وشعيب فإنها تعرض في القرآن الكريم عادة على أساس أن النبي لم يؤمن به إلا النزر اليسير من الناس، ولذلك ينزل العذاب بقومه بشكل شامل عام. فهذه القصص تمثل جانبا واحدا من صدق الحقيقة، وهو جانب المصير الذي يواجهه المكذبون والمنحرفون، بخلاف قصة موسى فإنها تمثل الجانبين معا: جانب المؤمنين وجانب المكذبين.
ومن هنا يمكن أن نفسر مجيء قصة نوح في هذا الموضع مختصرة مع الإشارة العامة لموقف بقية الأنبياء.
مضافاً إلى ذلك: أن نحاً يمثل بداية الأنبياء الذين لاقى قومهم العذاب في قصص القرآن، وموسى يمثل نهايتهم وختامهم.
ويؤكد هذا التفسير لسياق القصة ما أشرنا إليه في "الملاحظة الثالثة" من أن التفاصيل التي تناولها المقطع انحصرت في بيان التزام بني إسرائيل الحق، دون أن تتعرض إلى الجوانب الأخرى لموقفهم والتي تحدث عنها القرآن في مواضع أخرى مثل الأعراف وطه والقصص، والتي تمثل الانحراف والعصيان لأوامر موسى. وهذا الالتزام يكاد يشعرنا أن القصة سيقت لابراز صدق هذه المقارنة في التاريخ الإنساني والتي كانت تتحكم في مواجهات الأنبياء.
ومن الممكن أن نلاحظ في تكرار القصة هنا ملامح السبب الخامس من أسباب