ـ(78)ـ
إن هذا التداول في الفوز والنكسة، ونشوة الفوز ومرارة النكسة: (ليعلم اللّه الذين آمنوا) واللّه تعالى يعلم من دون ذلك من دون ريب.. والمقصود ليفرز اللّه الذين آمنوا حق الإيمان عن الذين لم يؤمنوا حق الإيمان، وليفصل اللّه الذي صدقوا عن الكاذبين، والذين ترسخ الإيمان في قلوبهم وصدورهم عن الذين أخذوا الإيمان عارية موقتة.
إن القروح التي أصابت المسلمين في معركة أحد كان لابد منها لفرز هؤلاء عن أولئك: (وليعلم اللّه الذين آمنوا). وهذا هو التمحيص على الخط الأفقي في المجتمع، والفرقان الأول في المجتمع. ومن دون هذا التمحيص والفصل والفرقان في المجتمع لا تستطيع هذه الأمة أن تستلم دور القيمومة والإمامة على وجه الأرض، ولا يمكن أن يتخذ اللّه تعالى منهم شهداء وقيمين على حياة الناس. فان اللّه تعالى لا يتخذ الشهداء من الظالمين. فإذا دخلت الأمة التمحيص وخضعت للفرقان، وانفرز فيها المؤمنون الصالحون عن غيرهم.. عندئذ يتخذ اللّه منهم شهداء.
وإذا كان هذا التمحيص والفرقان تمحيصا في سطح المجتمع (على الخط العمودي) فان اللّه تعالى يريد بهذه القروح تمحيصا وفرقانا آخر (على الخط الافقي) داخل النفوس: (وليمحص اللّه الذين آمنوا).
وهذا التمحيص تمحيص في العمق، وداخل النفوس. وفي نفوس المؤمنين أيضا يقين وشك، وصلاح وضلال، وصدق وكذب، وقوة وضعف، وتقوى وفجور، وتوحيد وشرك.
واللّه تعالى يريد للمؤمنين التمحيص حتى يطرد من نفوسهم الشك والضلال والكذب والضعف والفجور والشرك، وتخلص نفوسهم من ذلك، ويكون لهم اليقين والصلاح والصدق والقوة والتقوى والتوحيد نقياً خالصاً من كل شوب.
وكما لا تخلص ذرات الذهب المشوبة بالتراب الاعبر المرور بدرجة عالية من الحرارة لتنفصل فيها ذرات التراب من المعدن ويخرج المعدن نقياً من وسط التراب العالق به.. كذلك لا تصفو نفس الإنسان إلا من خلال حدة قروح الضراء والبأساء التي يمرر اللّه تعالى المؤمنين من خلالها.
