ـ(8)ـ
أجسامنا سلبيات التاريخ، كما تسربت الجراثيم إلى الجسد الضعيف لتزيده ضعفاً وتفتك به، وإن كانت أمتنا طافحة بالحياة والحركة والإرادة قاومت تلك السلبيات ولفظتها ورفضتها واجتذبت الإيجابيات تتمثلها في حياتها وتتزود بها في مسيرتها، وتستلهمها في عملية بناء حاضرها ومستقبلها.
من هنا نستطيع أن نفهم أن كل توجه واع للتاريخ هو مظهر حياة، ونفض الغبار عن صور السمو الإنساني على المستوى الفردي والاجتماعي..وإماطة اللثام عن روح الابتكار العلمي والفني للأجداد..وتحليل الأحداث تحليلاً يستخلص العبر والتجارب..كلها مظاهر حياة في المجتمع.. ونبش خلافات الماضي لإثارة النزاعات، وخلق الأحقاد والتنافر مظاهر موت.
وكلا المظهرين قائمان في مجتمعاتنا الإسلاميّة؛ لأن هذه المجتمعات تشهد صراعاً بين الموت والحياة..يقف وراء عوامل الموت كل أعداء الأمة: من جهل وتحجر وطاغوت عالمي ومحلي. ويقف وراء عوامل الحياة كل العلماء الصالحين المجاهدين المخلصين الأحرار من الذين(عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم).
بالأمس القريب انعقد في مدينة (قم المقدسة) مؤتمر بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد رضي الله عنه، والذكرى التاريخية هذه تعيد إلى الذهن جملة من صور بعضها بيضاء ناصعة وبعضها سوداء قاتمة.. صور الجهود العلمية الجبارة، والقدرة الفكرية التأسيسية الفائقة، والريادة المنهجية في التأليف والتعليم من جانب.. ومن جانب آخر صور النزاع الطائفي، والصراع الكلامي، والاشتباك اللفظي والجسدي، والتنافس العباسي والبويهي، وهدم الدور وإحراق المكتبات في بغداد.
وإزاء كل هذه الصور يقف العبد الصالح الإمام الخامنئي ـ حفظه الله ـ في ندائه الكبير الذي وجهه إلى المؤتمر ـ موقف الرائد الموجه لأحداث التاريخ وجهة بناء وعطاء. فيستعرض في جولة فكرية طويلة ممتعة كل ما في حياة الشيخ المفيد