الامة الاسلامية استعادت حياتها بفضل "التقريب"
اكد الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، "اية الله الشيخ محسن الاركي" ان العالم الاسلامي يعيش اليوم واقع الفتنة المذهبية التي لم يسبق لها في تاريخه، جراء الممارسات التكفيرية والمؤامرات الصهيو - اميركية في المنطقة.
وشدد الشيخ الاراكي في حديث له مع قناة "الميادين" الاخبارية، على ضرورة احياء الخطاب التقريبي قائلا: في هذه اللحظة الحرجة بالنسبة للدول العربية والاسلامية بات ضرورياً ان نسأل عن التقريب بين المذاهب اين اصبح؟ ولماذا اخفقت هذه الحركة في الواقع العربي والاسلامي؟
واوضح سماحته، ان هناك حدثاً ظهر في عالمنا الاسلامي منذ أكثر من ١٠٠ سنة وهو انهيار الحضارة وهوية الامة الاسلامية؛ فالهوية الاسلامية مهما كانت ضعيفة لكنها كانت قائمة قبل ذلك الحين.. ومن اثار هذا الانهيار انبثاق الدولة الصهيونية في قلب عالمنا الاسلامي والمسلمين، واستيلائها على ارضنا وعلى بلادنا وهتكها لكل الحرمات التي لا بد أن ندافع عنها كأمة.
وتابع بالقول "اننا لم نستطيع أن ندافع عن حرماتنا في زمن النكبة، فمعنى ذلك ان الهوية الاسلامية لم تكن موجودة وقائمة؛ ولو كنا كمجتمع متماسك يملك الهوية والشخصية الاسلامية يدافع بها عن مصالحه وعن وجوده لما استطاع الشتات الصهيوني ان يجتمع من نقاط العالم وان يشكل دويلة ثم يطردنا عن ارضنا ويطردنا عن بلادنا ويسفك دمائنا ويستحل كل حرماتنا ونحن ما زلنا بعد اكثر من ٦٠ سنة لانملك عن انفسنا دفعاً".
وردا على سؤال حول الجهود التي بذلت على صعيد العالم الاسلامي لإحياء الهوية الاسلامية من جديد، قال الامين العام لمجمع التقريب ان بوادر احياء الهوية الاسلامية ظهرت في الثورة الاسلامية الايرانية، ثم في الحركة الاسلامية في فلسطين ولبنان وفي مصر؛ لافتا الى ان التحولات الأخيرة التي شهدتها بعض الدول العربية والثورات التي اطاحت بانظمة مستبدة، تشير الى ان الامة التي هدرت وسحقت هويتها بدأت تحيا من جديد؛ وهو بمثابة العد العكسي للوجود الاسرائيلي في المنطقة، وانتصارات حزب الله في لبنان، ثم انتصارات حماس والجهاد الاسلامي في غزة، خير دليل على ذلك.
وتوضيحا لمشروع التقريب على الصعيد الاسلامي والعربي، قال سماحته ان هنالك ثلاثة مراحل لمشروع التقريب؛ المرحلة الاولى هي مرحلة الخطاب التقريبي وترويجه بين المسلمين.
واضاف بالقول : عاشت امتنا حقبة اصيبت خلالها بحالة الموت والانهيار الكامل، وفقدت كل مقوماتها؛ لكنها سرعان ما بدأت حياتها من جديد بفضل المشاريع النهضوية ومن اهم هذه المشاريع، هو مشروع الخطاب التقريبي والخطاب الوحدوي ؛ مبينا ان خطاب التقريب استطاع ان يسيطر ويهيمن على المراكز الثقافية والعلمية والدينية حتى اننا وجدنا ان مؤسسات ثقافية كبرى دولية كمؤسسة ايسيكو بدأت تهتم بمشروع التقريب واصدر القائمين عليها دراسة وأسسوا لجنة خاصة وقسما خاصا لهذا الصدد.. كما تاسست مؤسسات تقريبية وبدأت اجتماعاتها بمشاركة علماء الامة والنخبة الاسلامية في نقاط مختلفة من العالم الاسلامي؛ رافعة لواء التقريب منادية باسم التقريب؛ فهذا يعني أن الخطاب التقريبي بدأ ينتشر وهو انجاز لمشروع التقريب.
كما تطرق الشيخ الاراكي الى المرحلة الثانية من مشروع التقريب بين المذاهب الاسلامية، قائلا انها تختص بعملية التنظير؛ وطرح في السياق تساؤلاتمنها : ما معنى التقريب ؟ ماذا نقصد بالتقريب؟ ما معنى الوحدة الاسلامية؟ ما هي ضرورات الوحدة الاسلامية ؟ ما هي التحديات التي تواجه الامة الاسلامية والتي تفرض علينا ان نقوم بمشروع التقريب ؟ كيف يتم التقريب ؟ وما هي آليات التقريب ؟
واشار سماحته الى ان مجموعة التقريب خطت خطوات كبيرة جداً في هذا المجال والآن نحن نملك ذخيرة من النماذج والنظريات، لكنها لاتزال متعثرة التطبيق في بعض المجتمعات.
ثم استطرد الامين العام لمجمع التقريب بالقول : الآن نحن بدأنا المرحلة الثالثة من عمل التقريب وهي مرحلة المشاريع الميدانية، ومنها الكثير كمايلي:
• مشروع جامعة المذاهب الاسلامية التي اسس قبل ١٥ سنة في طهران.
• مشاريع انتاج الفكر التقريبي على شكل دراسات موسعة.
• المشروع الذي انجزه المجمع العالمي للتقريب، خلال اشهر قليلة ماضية، وهو مشروع لجنة المساعي الحميدة أو لجنة السلام الاسلامي.
• مشاريع تأسيسية كثيرة في مناطق مختلفة من العالم الاسلامي، كمجامع التقريب "التي اسسناها في مناطق مختلفة من العالم الاسلامي كل هذا يصب في مجال التقريب الميداني".
وفي السياق ذاته اكد اية الله الاراكي قائلا "طبعاً نحن امام تحديات كبيرة؛ لكننا نعتقد بأن الامة الاسلامية اصبحت تشرف على مرحلة جديدة من التحول؛ سواءاً اعترف الاخرون به او لم يعترفو..".
وفي جانب اخر من حديثه لقناة الميادين، نفى الامين العام لمجمع التقريب كافة التهم التي تشن ضد اتباع مذهب اهل البيت (عليهم السلام ) لاسيما في ايران، وما يسمى بـ الاساءةالى صحابة رسول الله ( صلوات الله عليه واله وسلم)، و"الظلم بحق المسلمين السنة" على حد التعبير؛ وقال سماحته "أولا هؤلاء صحابة الرسول (ص) وخريجو مدرسته، كيف يمكن لانسان أن يؤمن برسول الله (ص) وبآل بيته ثم لا يؤمن بأولئك اللذين تخرجوا من هذه المدرسة!".
وتابع قائلا: اذا وجد من يسب الصحابي فلان مثلاً لا ينبغي ان يحسب هذا على المدرسة الشيعية التي اكد علماؤها وقادتها رفضهم لهذه الاساءات، كالفتوى التي اطلقها الامام القائد السيد علي خامنئي (حفظه الله) بحرمة النيل من اي صحابي من صحابة الرسول (ص)، والاساءة الى ازواجه (ص) فهن امهات المؤمين والاساءة اليهن اساءة للرسول نفسه وهذا لا يجوز.
كما تطرق سماحته الى وضع اهل السنة في ايران مؤكدا ان "السنة في ايران تحولت اوضاعهم بعد الثورة الاسلامية الى احسن مما كانت عليه قبل الثورة بكثير جداً"؛ مبينا ان الشعب الايراني الساكن في غير الاماكن الرئيسية، كان مهملا في العهد البهلوي البائد ومصابا بالتخلف الفكري والامية، وهذه الحالة اصابت اهل السنة كما اصابت الشيعة على السواء.
ولفت سماحته الى مرحلة البناء والتطور التي بدأت بعد تأسيس الجمهورية الاسلامية؛ مؤكدا ان مشاريع البناء الذي تمت في المناطق السنية في ايران اليوم تبهر العقول ومن اراد يستطيع ان ينظر بنفسه ماذا حصل في هذه المناطق كما حصل في المناطق الشيعية ايضا؛ فالخدمات التي تعطى او التي تبذل أو البرامج التي تخطط لا تخص منطقة دون منطقة ، كلهم شعب واحد سواء كانوا سنة او شيعة... الآن اكثر من ١٢ ألف مسجد ومدرسة لأهل السنة عندنا في مناطق ايرانية مختلفة، ولديهم اكثر من ٢٠ ممثل فی مجلس الشورى الاسلامی. وفي مجلس خبراء القيادة، هناك مجموعة من كبار علماء السنة.
وفي مايخص الاحداث التي تشهدها مصر بعد الـ ٣٠ من يونيو/ والاطاحة بحكم الاخوان المسلمين، اكد الشيخ الاراكي قائلا " نحن ننظر الى الاخوان المسلمين والى جميع الحركات الاسلامية، بأنها جزء من هويتنا، وليست خارجة عن المنظومة الاسلامية المتكاملة، لكن الذي نقوله انه كنا نطمح ونأمل أن هذه الحركة عندما تستلم الحكم تستفيد من التجارب ولا تقع في الاخطاء؛ فهذه الحركة كانت السباقة في كثير من مجالات النهضة الاسلامية.
واضاف "نحن نتألم حينما نجد حركة كبيرة كالاخوان المسلمين تصبح في موقع ويستطيع مخالفوها أن يحشدوا الشعبضدها هذا التحشيد سواء كان على حق او على غير حق يعبّر أن هناك خطأ في السياسة التي سلكها الاخوان في مصر؛ على سبيل المثال كان الشعب المصري يتوقع من الحركة الاسلامية في مصر اذا جاءت للحكم ان تقطع علاقتها مع النظام الصهيوني وهذا كان اول ما توقعه الشعب ولكن لم ير شيء من هذا القبيل".
واشار سماحته، في هذا الجانب، الى التجرية الاسلامية في ايران قائلا "حينما وقفت الجمهورية الاسلامية في وجه اسرائيل والنظام الصهيوني، فهي تحملت عبئاً كبيراً وتحملت مشاقاً كثيرةً ومنها الحصار والحرب التي فرضت عليه، والكثير من المؤامرات؛ لكن الشيء الذي حصلت عليه هو ان الشعب عرف بأن قادة هذا النظام صادقون في القول عن الاسلام والاستقلال والحرية".
هذا، واعرب الشيخ الاراكي عن اسفه لما حصل في عهد الاخوان من اتاحة الحرية للمتطرفين بالاساءة الى المقدسات الاسلامية والتعدي على اتباع المذاهب والاديان السماوية؛ وقال "الذي حصل في مصر مؤسف جداً، فمصر كانت البلد الاول الذي رفع راية التقريب وكان الازهر الشريف وكانت القاهرة مبعثا للمفكرين الذين دعوا الى الوحدة وما زال الازهر الشريف فيه كبار العلماء على نفس الحالة ونفس النمط ونفس الخط.. والعلاقات حميمة بين مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية مع كثير من علماء الازهر وهناك بعض علماء الازهر يواصلون نشاطاتهم التقريبية في دار التقريب بالقاهرة، لكن الذي يؤسفنا هو الوضع الذي فرضه الحكم الجديد حيث لم نجد ما يشجع على التقريب".
واردف سماحته " لقد أغلقوا كل الابواب علينا؛ انا كمسؤول مجمع التقريب أكثر من سنة أسعى لأحصل على تأشيرة دخول مصر لكنهم منعوني. كما هو الحال بالنسبة للامين العام السابق اية الله الشيخ محمد علي التسخيري وهو من كبار علماء المسلمين والمفكرين ومن رواد التقريب، حيث دُعي الى اجتماع من قبل المؤتمر الاسلامي في القاهرة لكنه لم يحصل على تاشيرة الدخول بينما يؤكد القانون الدولي على اي دولة تستضيف المؤتمرالاسلامي أن تعطي تأشيرة دخول ذلك البلد لأعضاء هذا المؤتمر".
كما اعرب الامين العام للمجمع العالمي التقريب عن امله بأن تصبح الامور في مصلحة الاسلاميين في مصر؛ مؤكدا "لسنا من القانطين اليائسين ما زلنا نأمل الامل الكثير أن اخوتنا في مصر يقوموا بدور بناء يجر اليهم ثقة الشعب، وثقة الشعب هي ثروتنا".
وحول المساعي والجهود التي تبذل في اطار المؤسسات التقريبية لاسميا المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية لوقف نزيف الدم الجاري في العديد من دول المسلمين بسبب الفكر التكفيري قال اية الله الاراكي: المحاولات التي بذلت كثيرة جداً ولولا الجهود التي اشترك فيها كبار علماء الامة من ايران ومصر وبعض علماء السودان وحتى بعض علماء السعودية والكثير من علماء الدول الخليجية كما علماء شمال افريقيا وكذلك تركيا، فلولا جهود هؤلاء في تحجيم حركة التكفير والوقوف بوجه هذا التيار الدموي والمخرب الدامي، لما استطاع العالم الاسلامي أن يعيش في حالة أمن نسبي ولكان اشتعل العالم كله شرقاً وغرباً وتحول الى مصرع مشتعل بالدماء والحروب والفتن التي لا تدع شيئا.
وبشأن لجنة المساعي الحميدة التي اطلقها مجمع التقريب في "مرحلة المشاريع الميدانية" صرح الشيخ الاراكي بقوله : اجتمعنا منذ ثلاثة اشهر تقريباً في بيروت ووضعنا خطة عمل وبدأنا بهذه الخطة وما زلنا نواصل عملنا مع هذه الخطة ولعلنا نلتقي في المستقبل القريب بقادة سوريا وايضاً التقينا بقادة بعض الدول الاسلامية الاخرى وتداولنا معهم الحديث بهذا الشأن ومازلنا ونرجو ان يثمر هذا العمل ان شاء الله.
اعداد بتصرف: حيدر العسكري
